وألطفها من القلب موقِعًا، وإلى ما للعرب فيه لغاتٌ فاقتصروا على أسلسها وأشرفها ... وتجاوزوا الحدّ في طلب التسهيل حتى تسمّحوا ببعض اللّحن، وحتى خالطتهم الرّكاكة والعُجْمة، وأعانهم على ذلك لينُ الحضارة وسهولةُ طباع الأخلاق، فانتقلت العادة، وتغير الرّسم، وانتسخت هذه السنة، واحتذَوا بشعرهم هذا المثال، وترقّقوا ما أمكن، وكسَوا معانيَهم ألطفَ ما سنح من الألفاظ، فصارت إذا قيسَت بذلك الكلام الأول يتبيّن فيها اللين، فيُظَنّ ضعفًا، فإذ أُفرِد عاد ذلك اللّين صفاءً ورونقًا، وصار ما تخيلته ضعفًا رشاقة ولُطفًا؛ فإن رام أحدُهم الإغراب والاقتداءَ بمَن مضى من القدماء لم يتمكن من بعض ما يرومه إلا بأشدّ تكلّف، وأتم تصنع؛ ومع التكلف المقْت، وللنفس عن التَّصَنُّع نُفْرة، وفي مفارقة الطبع قلةُ الحلاوة وذهاب الرونق، وإخلاقُ الديباجة» [1] . فلا جرم بعد كل ذلك أن يُصِرَّ من أصرَّ من النُّقَّاد القُدامى -وفيهم الأصمعي- على بدوية لسان من يتشرف بلقب (الفحل) .
أمَّا عن سِرِّ هجران المُوَلَّدين الألفاظ البدوية، واستعاضتهم عنها بالألفاظ الحضرية العذبة الرقيقة، حلوة المعاني، قريبة المأخذ؛ فيقول ابن وكيع التِّنِّيسي -أحد كِبار نُقَّاد القرن الرابع-: «لو سلك المتأخرون مسلك المتقدمين في غلبة الغريب على أشعارهم، ووصف المَهَامِهِ والقِفار، وذِكر الوحوش والحشرات، ما رُوِيَت؛ لأن المتقدمين أَولى بهذه المعاني، ولا سيما مع زُهد الناس في الأدب في هذا العصر وما قاربَه، وإنما تُكتَب
(1) الجرجاني، علي بن عبد العزيز، الوساطة بين المتنبي وخصومه. ص 25.