استقاه الأصمعي من شيخه أبي عمرو بن العلاء؛ فقد روى أبو عبيدة عنه: «كان عدي بن زيد في الشعراء بمنزلة سهيلٍ في النجوم، يُعارضها ولا يجري مجارِيَها، والعرب لا تروي شعره، لأن ألفاظه ليست بنجديةٍ، وكان نصرانيًا من عِباد الحيرة، قد قرأ الكتب» [1] . فهو كان يسكن الحيرة ومراكز الريف، فلانَ لسانه، وسهُل منطقه [2] ، وأمَّا أبو دؤاد الإيادي، فإنه كان على خيل المنذر بن النعمان بن المنذر. فهؤلاء لما سكنوا الحاضرة، أعرضت العرب عن أشعارهم، لأنهم اتَّهموا ألسنتهم.
لكن لماذا كانت اللغة النجدية أمارةً على (الفحولة) عند الأصمعي وأقرانه من النَّقَدَة؟
لعلَّنا نجد الجواب عند أبي الحسن الجرجاني؛ إذ يقول: «كانت العرب ومَنْ تبعها من السلَف تجري على عادةٍ في تفخيم اللفظ وجمال المنطق لم تألفْ غيرَه، ولا أنِسها سواه، وكان الشعرُ أحدَ أقسام منطقها، ومن حقّه أن يُختص بفضل تهذيب، ويُفرَد بزيادة عناية، فإذا اجتمعت تلك العادة والطبيعة، وانضاف إليها التعمّل والصنعة خرج كما تراه فخمًا جزْلًا قويًا متينًا ... فلما ضرب الإسلام بجِرانه، واتسعت ممالك العرب، وكثُرت الحواضر، ونزعت البوادي إلى القرى، وفشا التأدّب والتظرّف؛ اختار الناسُ من الكلام ألينَه وأمهَله، وعمَدوا إلى كل شيء ذي أسماء كثيرة اختاروا أحسنَها سمعًا،
(1) انظر: ابن قتيبة، محمد عبد الله بن مسلم، الشعر والشعراء، ج 1 ص 230.
(2) الجمحي، محمد بن سلام، طبقات الشعراء، دار الكتب العلمية، لبنان، د. ط، 2001. ص 59.