قومه، كحال مزرد، فإنَّ هذا الهجاء يذهب بلذة الشعر وثمرته، فيغدو وسيلة للابتزاز، وتحصيل الأموال وقطع الطريق أمام الضيفان، كما هو منقولٌ في سيرة هذين الرجلين؛ وكلُّ ذلك مُبايِنٌ لسُنن العرب، التي جاء الشعر ليخدُمَها لا لتَخدُمَه.
يقول ابن رشيق في هذا المقام: «مِن حكم الشاعر أن يكون حلو الشمائل، حسن الأخلاق، طلق الوجه، بعيد الغور، مأمون الجانب، سهل الناحية، وطيء الأكناف، فإن ذلك مما يحببه إلى الناس، ويزينه في عيونهم، ويقربه من قلوبهم، وليكن مع ذلك شريف النفس، لطيف الحس، عزوف الهمة، نظيف البزة، أنفًا؛ لتهابه العامة، ويدخل في جملة الخاصة، فلا تمجه أبصارهم، سمح اليدين، وإلا فهو كما قال أحمد بن أبي فنن:
وإن أحق الناس باللوم شاعر ... يلوم على البخل الرجال ويبخل» [1]
لابد للعملية النقدية أن تمر بمراحل معينة، لتؤتي ثمارها؛ إذ «النقد في حقيقته تعبيرٌ عن موقف كُلي مُتكاملٍ في النظرة إلى الفن عامة أو إلى الشعر خاصة؛ يبدأ بالتذوق، أي القدرة على التمييز، ويعبُر منها إلى التفسير والتعليل والتحليل والتقييم، خُطواتٌ لا تُغني إحداها عن الأخرى، وهي متدرجة على هذا النسق؛ كي يتخذ الموقف نهجا
(1) القيرواني، الحسن بن رشيق، العمدة في محاسن الشعر وآدابه. ج 1 ص 131.