[1] ، ويُعلِّق تلميذه أبو حاتم بقوله: «كأنه ينفي عنه جودة الشعر» [2] ، ليُقرِّر بذلك أن الأصمعي كان يرى في التوجه الخلقي الإيجابي إبعادا للشاعر عن مرتبة الفحول، مع غض النظر عن طبيعة التوجه وتفاصيله [3] .
ولا تعارُض بين ما تقرَّر هنا، وما قاله الأصمعي في مزرد بن ضرار: «ليس بدون الشماخ -وهو أخٌ له، قد حكم بفحولته-، ولكنَّه أفسدَ شعرَه بما يهجو الناس» [4] . وقوله في الحطيئة: «أفسد مثل هذا الشعر الحسن -لشعرٍ أنشده له- بهجاء الناس وكثرة الطمع» [5] . فهذان النَّقلان يُشيران إلى عامل مشترك أسقط فحولة هذين الشاعرين هو: الهجاء المُفرِط، والبُخل؛ فالهجاء من مُقوِّمات الفحولة -كما تقدَّم-، ولكنَّه كالملح ينبغي أن يُستعمل بقدرٍ، أما أن يخرج عن الحد بأن يُهجا كل الناس، بل أن يهجو المرء نفسه إذا لم يجد من يهجوه كحال الحطيئة [6] ، أو يكون شريرًا يهجو ضيوفه، بل ويهجو
(1) نفسه. ص 15.
(2) نفسه.
(3) انظر: محمود عبد الله الجومرد، جهد الأصمعي النقدي. ص 207.
(4) الأصمعي، عبد الملك بن قريب، فحولة الشعراء. ص 12.
(5) الأصفهاني، علي بن الحسين، كتاب الأغاني. ج 2 ص 111.
(6) قال أبو عبيدة: كان الحطيئة بذيًا هجاءٌ، فالتمس ذات يوم إنسانًا يهجوه فلم يجده، وضاق عليه ذلك، فأنشأ يقول:
أبت شفتاي اليوم إلا تكلمًا ... بشَر فما أدري لمن أنا قائله
وجعل يُدَهور هذا البيت في أشداقه ولا يرى إنسانًا، إذ اطلع في ركي أو حوض، فرأى وجهه فقال:
أرى لي وجها شوه الله خلقه ... فقبّح من وجهٍ وقبح حامله
انظر: الأصفهاني، علي بن الحسين، كتاب الأغاني. ج 2 ص 106.