الصفحة 38 من 51

[1] ، ويُعلِّق تلميذه أبو حاتم بقوله: «كأنه ينفي عنه جودة الشعر» [2] ، ليُقرِّر بذلك أن الأصمعي كان يرى في التوجه الخلقي الإيجابي إبعادا للشاعر عن مرتبة الفحول، مع غض النظر عن طبيعة التوجه وتفاصيله [3] .

ولا تعارُض بين ما تقرَّر هنا، وما قاله الأصمعي في مزرد بن ضرار: «ليس بدون الشماخ -وهو أخٌ له، قد حكم بفحولته-، ولكنَّه أفسدَ شعرَه بما يهجو الناس» [4] . وقوله في الحطيئة: «أفسد مثل هذا الشعر الحسن -لشعرٍ أنشده له- بهجاء الناس وكثرة الطمع» [5] . فهذان النَّقلان يُشيران إلى عامل مشترك أسقط فحولة هذين الشاعرين هو: الهجاء المُفرِط، والبُخل؛ فالهجاء من مُقوِّمات الفحولة -كما تقدَّم-، ولكنَّه كالملح ينبغي أن يُستعمل بقدرٍ، أما أن يخرج عن الحد بأن يُهجا كل الناس، بل أن يهجو المرء نفسه إذا لم يجد من يهجوه كحال الحطيئة [6] ، أو يكون شريرًا يهجو ضيوفه، بل ويهجو

(1) نفسه. ص 15.

(2) نفسه.

(3) انظر: محمود عبد الله الجومرد، جهد الأصمعي النقدي. ص 207.

(4) الأصمعي، عبد الملك بن قريب، فحولة الشعراء. ص 12.

(5) الأصفهاني، علي بن الحسين، كتاب الأغاني. ج 2 ص 111.

(6) قال أبو عبيدة: كان الحطيئة بذيًا هجاءٌ، فالتمس ذات يوم إنسانًا يهجوه فلم يجده، وضاق عليه ذلك، فأنشأ يقول:

أبت شفتاي اليوم إلا تكلمًا ... بشَر فما أدري لمن أنا قائله

وجعل يُدَهور هذا البيت في أشداقه ولا يرى إنسانًا، إذ اطلع في ركي أو حوض، فرأى وجهه فقال:

أرى لي وجها شوه الله خلقه ... فقبّح من وجهٍ وقبح حامله

انظر: الأصفهاني، علي بن الحسين، كتاب الأغاني. ج 2 ص 106.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت