واضحا، مُؤصَّلًا على قواعد - جزئية أو عامة -، مُؤيَّدًا بقوة الملكة بعد قوة التمييز» [1] . وهذه الخطوات قد وجدت طريقها إلى التطبيق في عصر الأصمعي بعد أن انتقل جزء من تراث الأمة من الشفوية إلى الكتابية، فاجتاز النقد قنطرة التذوق والتأثر ليصل إلى ساحة الفحص والتأمُّل.
ومع أن التَّدوين يهيء الأرضية للنقد الموضوعي، إلاَّ أنه «لا يستطيع أن يخلق وحده نقدا منظما، بل لابُدَّ من عوامل أخرى، أهمُّها: الإحساس بالتغيُّر والتطوُّر؛ في الذوق العام، أو في طبيعة الفن الشعري، أو في المقاييس الأخلاقية التي يَستَنِد إليها الشعر، أو في العادات والتقاليد التي يُصوِّرُها، أو في المستوى الثقافي ونوع الثقافة في فترة إثر أخرى، أو في مجموعةٍ من القِيم على وجه التَّعميم. ذلك لأن هذا الإحساس بالتغير والتطور هو الذي يَلفِت الذِّهن - أو ملكة النقد - إلى حدوث"مفارقة"ما، ولابد لهذه المُفارقة أول الأمر من أن تكون ساطعة متباعدة الطرفين، حتى تُمكِّن النظر الذي لم يَألفها قَبلًا من رؤيتها بوُضوحٍ» [2] .
غير أنَّ «سُموق النَّماذج الشعرية الجاهلية، ثم حركة الأحياء لتلك النماذج في العصر الأموي، وبعض العصر العباسي، واتخاذها قِبلةً للجميل أو الرائع من الشعر سَببًا في حَجب كُلِّ حقيقةٍ تطوُّرِّية عن العُيون. لهذا لم يبدأ الإحساس بالتغير والتطور إلا حين أخذت بعض الأذواق تتحوَّل عن تلك النماذج إلى نماذج جديدة، وحين أخذت
(1) إحسان عباس، تاريخ النقد الأدبي عند العرب، ط.4، دار الثقافة، لبنان، 1983. ص 8.
(2) نفسه.