الصفحة 102 من 122

تلقى راضي دعوة من أخته مطيعة لتناول الغداء أدخلت السرور والانشراح إلى قلبه على نحو لم يخامرْهُ منذ زمن بعيد، فهذه هي المرة الأولى في حياته التي يتلقى فيها دعوة من أخته.

غادر مكتبه وتوجه إلى السوق لشراء بعض الهدايا لها ولزوجها، وحين وصل إلى بيتها، استقبلته بترحيب طيّب من أعماق قلبها. قدّم لها الهدايا الثمينة التي أحضرها معه فقالت وهي تشكره:

-صدقني يا راضي إن زيارتك لي هي أعظم هدية.

ولدى الجلوس إلى المائدة اكتشف أنها أعدّتْ له ثلاثة أصناف من الطعام كان يحبها ويفضلها على سواها، وحين أخبرها بذلك في دهشة قالت له:

-لطالما سمعتُ أمي تقول كلما طهتْ صنفًا من هذه الأصناف: ..."كان راضي يحبّ هذا الصنف"، وقد بقيتْ تلك العبارات محفورة في ذاكرتي، وكنتُ أقول في دخيلة نفسي:"إذا قدَّرَ الله لي أن ألتقي براضي في المستقبل، فسأطبخ له هذه الأصناف". وها قد تحقق ما كنتُ أصبو إليه والحمد لله.

جلست بجانبه أثناء تناول الغداء فأخذ يتودد إليها لعله يطيب خاطرها ويسليها عن فراق ابنها، وأخذا يتحدثان عن ذكريات الماضي وكان في غاية اللهفة لسماع أخبار أمه وأبيه.

نظرت إليه وقالت:

-هل تعلم يا راضي أن آخر كلمة قالها والدك قبل موته كانت اسمك. كان رحمه الله يتمنى أن يراك لحظة احتضاره.

دمعت عيناه وقال:

-ليتني كنتُ قادرًا على إدارة عجلة الزمن إلى الوراء، فقط لأقبل يديه ورجليه وأطلب منه أن يسامحني.

-وماذا لو قلتُ لك إنه سامحك؟

-ماذا؟ أنت تمزحين من دون شكّ يا مطيعة؟!!

-إنها الحقيقة يا أخي، فقد سمعته بأذنيَّ وهو يقول على فراش الموت، بعد أن توسلتْ إليه أمي وطلبتْ منه أن يسامحك، وأن يموت وهو راض ٍ عنك.

أجهش بالبكاء ومال على أخته فعانقها بحنان ٍ وهو يقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت