كان الأسى يعتصر روح سالمة وهي ترى ابنها مرزوق يحزم أمتعته استعدادًا لمغادرة القرية، لا سيما بعد أن وصلت الشاحنة التي ستقله وتوقفت أمام البيت. وتساقطت الدموع بغزارة وهي تودّعه وتدعو له بالحفظ والتوفيق.
نظر إليها وقد أثر الموقف في نفسه هو أيضًا فراحت الدموع تنحدر على خديه، ثم قال مطمئنا إياها:
-لا تخافي يا أماه، لن أغيب طويلا، سأجمع المال الكافي لإخراج أبي من السجن، ثم أرجع إلى بلدي لأتزوج .. كما وعدتك.
-الله معك يا ولدي الحبيب .. انتبه لنفسك.
ودع مرزوق أمه وأخته الصغيرة سلوى التي قالت له:
-لا تنس أن تحضر لي الحلوى يا مرزوق.
هز رأسه مبتسما .. وقال:
-سأحضر لك كثيرا من الحلوى.
صاح السائق:
-هيا بنا مرزوق .. قبل أن يداهمنا الوقت.
أخذ السائق الحقيبة من مرزوق، ووضعها بجانبه، ثم أشار إلى أسفل الشاحنة، بين العجلات وقال:
-هذا مكانك هنا.
نظر مرزوق إلى المكان الضيق الذي سيختبئ فيه حتى يعبر الحدود للوصول إلى"جمهورية الوهم"التي سيقصدها .. ثم سأله:
-كم ستستغرق الرحلة إن شاء الله يا عماه.
-تسع ساعات تقريبا يا ولدي.
-إنه وقت طويل جدا.
-لا بد أن تتحمل .. فكما أخبرتك ستكون الرحلة شاقة يا ولدي .. على فكرة، هل فعلت كل ما أمرتك به؟
-نعم فلم أشرب كثيرا من السوائل منذ البارحة.