الصفحة 112 من 122

طفق الناس الموجودون داخل المركبة يمارسون طقوس حياتهم الطبيعية من لهو وتسلية ولقاءات وكأنهم في رحلة جوية استكشافية أو في نزهة طويلة، إلا أن الملل سرعان ما بدأ يتطرق إلى نفوسهم، لا سيما بعد أن بدأت الرحلة تتخذ طابع الرتابة وتفقد عنصرَ الإمتاع، وصاروا يتحرّقون شوقًا إلى المشي على سطح الأرض تحت شمس الصيف أو أمطار الشتاء، والتجوّل في المنتزهات العامة والاستلقاء على الحشائش الطبيعية والإصغاء إلى زقزقات العصافير وهديل الحمام.

بعد مرور ثلاثة أشهر على الإقلاع تعرض الزعيم لنوبة قلبية حادّة أدخل في إثرها المستشفى المزوّد بأحدث التقنيات، وأخضع للعلاج المكثف، إلاّ أن علامات الوهن والإرهاق بدت تظهر عليه، كما بدت قوته تخور وتضعف، وأخذت حالته الصحية تتدهور شيئًا فشيئًا.

وفي المستشفى، ومع انحسار زيارات المقرّبين منه شيئًا فشيئًا، بعد أن صار من المؤكد أنه لن يقوم من مرضه هذا، أتاحت الظروف له أن يختلي بنفسه .. فطفق يتصفح كتاب حياته وأدرك أنه كان قد ظلم الكثيرين في سبيل مصلحته الشخصية، وأنه ساهم في نشر الفساد على نطاق واسع بقراراته التي أصدرها لمساعدة ملوك المال الجشعين وإرضاء ً لنزواتهم. استسلم لشريط ذكرياته وأفاق ليجد نفسه على سرير في المستشفى. أنعم النظر في الغرفة وقال في قرارة نفسه:"... كم أنتِ حقيرة أيتها الدنيا، فنعيمك وهم ٌ وغرور .. وحلاوتك زيف بلا سرور .. لقد تقلبتُ في نعيمكِ، وتمتعتُ بملذات عيشك: فكنتُ فيك حينًا من الدهر رجلا مذكورًا وعَلمًا مشهورًا .. ووصلتُ فيك إلى القمة ِ وظننتُ أنني خالد في ما كنتُ فيه. وها أنذا أموت وحيدا .. فأين الذين بحتْ أصواتهم من الهتاف بحياتي؟ .. وأين الأصدقاء الذين أحاطوا بي إحاطة السوار بالمعصم حين كنتُ في أعلى هرَم صُنع القرار؟ وأين زوجتي المُدللة التي كان يفترَضُ أن تكون إلى جانبي في محنتي؟؟ أبهذه السرعة نسيتْ ما فعلتُ من أجلها؟".

كان غاضبًا أشدّ الغضب على مارلين التي كانت تزوره لمامًا وعلى مضض، وكأنها تؤدي واجبًا بغيضًا مفروضًا عليها، وكان في وسعه أن يلمس من نزقها خلال وجودها قرب سريره أنها تتلهف إلى العودة من حيث جاءت. تذكر نصيحة أخيه مايكل له، وندم على عدم أخذها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت