إلى الأبد. وكان ذا صوت جهوري مليء بالثقة. أما هذا الرجل الذي أمامه فهو مقعد كسيح، هزيل الجسم، شاحب اللون، ذو لحية كثة غير مرتبة لا تبدو عليه مظاهر النعمة إطلاقا.
قال له:
-ولكن ماذا حدث لك إذا كنتَ القاضي كما قلتَ؟
-إنها عقوبة الله يا ولدي، فهو يُمهل ولا يُهمل، والجزاء من جنس العمل .. وقد نلتُ جزائي العادل في الدنيا، وأرجو من الله أن يقيني بذلك عذاب الآخرة.
ثم استطرد يروي قصته:"في اليوم نفسه الذي حكمتُ عليك فيه تعرّضتُ لحادث أليم، فقد كنت استقل سيارتي لمغادرة مبنى المحكمة وكنتُ جالسًا في الكرسي الخلفي وإذ بشاحنة مسرعة فقدَ سائقها السيطرة عليها تصطدم بسيارتي فمات سائقها في الحال ومات سائق سيارتي أيضًا. هذا ما علمتهُ في المستشفى المركزي حين أفقت لأجد أن ساقي الاثنتين قد بترتا، وأنني فقدتُ إحدى عينيّ. ليتني متُّ ذلك اليوم، فبالإضافة إلى خسارة ساقيَّ وعيني خسرتُ عملي أيضًا عندما خرجتُ من المستشفى."
وراجعتُ نفسي وتذكرتُ أنني كنتُ قد حكمتُ عليك ظلمًا في ذلك اليوم على الرغم من أنني كنت متأكدًا من براءتك، إلا أنني عندما فعلتُ ذلك كنتُ أنفذ أوامر أتتني من جهات عليا. ولكن هذا ليس مبررًا. كنتُ أعيش في الوهم. ولم أكن أشعر بالظلم ولا بالمظلومين. والآن وقد أدركتُ أن الله عاقبني جئتك بناء على نصيحة من أحد أصحابي الصالحين بأن أطلب منك العفو لعلّ الله يرحمني ويخفف عني آلام الضمير، فقد تبت إلى الله. ومنذ ذلك اليوم وأنا أدعو الله أن يتيح لي اللقاء بك كي أعتذر لك لتسامحني.
قال سهل وهو يصافحه بحنوّ ٍ ولطف:
-ليغفر لك َ اللهُ ما فعلته بي، أما من ناحيتي فقد سامحتك.