توجه شريف وبعض الناس إلى السجن المركزيِّ، واتفقوا مع حرّاسه على تحرير السجناء بعد أن أعلموهم بفرار الطغمة الحاكمة إلى غير رجعة.
تعانق الأحبة والأقرباءُ واختلطت دموع الفرحة بدموع الحزن، دموع الفرحة على تحرير السجناء ولقائهم، ودموع الحزن على منْ قضوا نحبهمْ في غياهب السجن دون أن يعرفوا عنهم شيئًا.
وطفق سهل، وقد خرج الآن إلى نور الحرّية، يحملق في وجوه الناس ويتفحصها لعله يرى زوجته وأولاده بينهم، إلى أن تناهى إلى سمعه صوت يناديه"سهل .. سهل .. نحن هنا".
صاح في لهفة:
-رحمة .. رحمة!
وجرى في اتجاه زوجته وأولاده الثلاثة، عانقهم جميعًا، وراح يقبلهم مرة تلو الأخرى بشوق وفرح.
وبينما كان يهمّ بالعودة إلى البيت مع أسرته .. إذ به يسمع صوتًا خافتًا يناديه:
-سهل .. سهل.
التفت إلى مصدر الصوت فرأى رجلا مقعدًا يجلس على كرسي المعاقين ينظر إليه ويقول:
-أريد منك أن تسامحني يا ولدي.
نظر إليه باستغراب شديد، وزوجته وأولاده يراقبون الموقف العاطفي في دهشة .. ثم قال:
-اعذرني فأنا لا أعرفك ولم أرك من قبل، ولولا أنك ذكرتَ اسمي لاعتقدتُ أنك تظنني شخصًا آخر.
-لا بل تعرفني يا سهل .. أنظر إليّ جيدًا الآن؟
تفحص سهل وجهه وأنعم النظر فيه وأحسّ أنه كان قد شاهد هذا الوجه مؤخرًا، وقبل أن يعتصر ذاكرته استأنف الرجل الكسيح كلامه قائلا:
-إن كنتَ قد نسيتني فأنا لم أنسك. أنا السبب في وجودك في هذا السجن، وأنا السبب في حرمان هؤلاء الأطفال منك كل هذه المدة .. أعرفتني الآن؟ أنا القاضي الذي حكم عليك بالسجن المؤبد مع الأشغال الشاقة .. هل تذكرتني الآن؟
أصيب سهل بالدهشة، فلم تكن ثمة علامة واحدة تدل عليه، ثم أخذ يتذكر صورة القاضي الذي كان طويل القامة، قوي البنية، ظاهر النعمة، يدل مظهره على أنه قد استقر في هذه الحياة