وصل راضي إلى الحارة القديمة، فاجتمع أهلها حول سيارته، ينظرون إليها في دهشة، فهذه هي المرة الأولى التي يرى فيها هؤلاء مثل هذا النوع من السيارات الفخمة تدخل حارتهم .. وجرى الأطفال أمامها وخلفها وعلى جانبيها .. فعاد به هذا المشهد إلى الماضي، وتذكر كيف أنه كان يفعل مثلهم عندما كان يرى سيارة تدخل الحارة.
لم يستطع قيادة سيارته من شدة الزحام وضيق الأزقة، فأوقفها جانبًا ثم ترجل منها .. جالت الذكريات والخواطر في ذهنه وهو يسير بين الأزقة الضيقة، والشوارع المتسخة، في اتجاه بيتهم القديم، وتذكر طفولته وأيام صباه، وتذكر أمه وأباه .. وكيف أنهما ماتا وهما غاضبان عليه، وتذكر عصيانه إياهما. وتتابع شريطُ الذكريات حتى وصل به المشهد إلى اليوم الذي غادر فيه هذه الحارة .. فتذكر أباه وهو يدعو عليه ويطرده من البيت، وأمه تتوسل إلى أبيه باكية أن يسامحه .. وتمسك به وترجوه أن لا يغادر المنزل وأن يبقى معهم.
سالت الدموع من عينيه اللتين كان يخفيهما خلف نظارته السوداء .. غالب عبراته التي كادت أن تخنقه وأخفى بكاءه .. وهو يدخل إلى دكان صغير قريب من بيتهم القديم .. فرأى شيخًا كبيرًا وقورًا كتبَ الزمانُ تاريخًا حافلا بالأحداث على جبهته، وتجاعيد وجهه تحكي قصة حياة حافلة بالمواقف. عرفه راضي، فبادره بالسؤال وقد أشار إلى أحد البيوت القديمة:
-هل تعرف امرأة اسمها مطيعة مصباح، كانت تعيش في ذلك البيت مع أسرتها؟
-نعم أعرفها جيدا .. ولكنها غادرته منذ أن تزوجت.
-هل تعرف أين تسكن الآن؟
-نعم، لقد ذهبت لأعزي زوجها فرج يوم أمس، إذ كان ابنها قد توفي قبل أيام، ولقد اشتهرت قصتها، وكتبت عنها الصحف .. وهي حزينة جدًا.
-هل في مقدورك أن تدلني على بيتها لو سمحت؟
-إنه ليس بعيدًا من هنا، ولكن لم تقل لي من أنت يا أستاذ؟
-أنا قريبها، وقد جئت لأعزيها.
-طيب، سأرسل معك ولدي، ليريك بيتها.
نادى الشيخ بأعلى صوته:
-تعال يا سامي .. اذهب مع الأستاذ ودله على بيت فرج الطيب.
وصل راضي بصحبة الفتى إلى بيت صغير متواضع في أحد الأحياء الفقيرة، فأشار الولد نحوه:
-ها هو البيت، يا سيدي.