جانبية في أقصى الغرفة مغطاة ببسط تلاشتْ ألوانها ومزَق ٍ من الملابس، وكان من الواضح أن السجناء في هذه الغرفة الفسيحة كانوا يستعملونها كفرش للنوم عليها.
وبينما هو في دهشته ووجومه تقدم إليه بعض السجناء والتفوا حوله، وأمطروه بوابل من الأسئلة:"كيف الناس بالخارج؟"،"ما سبب اعتقالك؟"،"هل تمتْ محاكمتك؟"،"ما هي مدّة عقوبتك؟".
جلس سهل حزينًا مشدوهًا يتصفح الوجوه البائسة، ولم ينبس ببنت شفة ولم يتفوه بكلمة، ولم يجب على أسئلتهم .. واستغرق في التفكير متسائلا في نفسه:"ماذا يفعل هؤلاء هنا؟"،"وهل سأبقى هنا معهم؟ أم سيأخذونني إلى مكان آخر؟"، ثم تذكر زوجته وأولاده فانقبض قلبه وتزاحمت التساؤلات في رأسه.
تقدم إليه سامح وهو أكبر السجناء سنًا، وكان في أواخر العقد السادس من عمره، وكان السجناء يسمونه"العم سامح"، فربتَ على كتفه في شفقة وقال له:
-لا تحزن يا بني ولا تيأس فنحن هنا جميعًا نمر بمحنتك نفسها ولكنّ الأمل لم يمتْ فينا بعد، فكن متفائلا لئلا يقتلك اليأس.
سأله أحدهم بلهفة شديدة:
-ما هي جريمتك؟
-صدّقوني .. لا أعلم لماذا أنا هنا .. فأنا لم أفعل شيئا. ابن عمي صحفي ويبدو أنه كتب ضدّهم، ففتشوا الدنيا عنه، وأتوا إليَّ باعتباري ابن عمه وأرادوا أن أدلهم على مكان اختبائه، ولأنني فعلا لا أعرف مكانه ألقوا القبض عليَّ وعذبوني وأخيرًا حكموا عليَّ بالسجن المؤبد.
هزّ سامح رأسه وقال:
-نحن كلنا نعيش على التفاؤل هنا. هل لديك أبناء؟
-ثلاثة أولاد.
-لست وحدك في هذه المشكلة، فكلنا لنا أولاد تركناهم ولا ندري ما حلّ بهم.
جلس سهل على الأرض وأسند ظهره إلى الحائط ونظر إلى كلّ الوجوه الكئيبة التي كانت تحيط به، وقال في دخيلة نفسه:"ما هذا الظلم؟ ولِمَ هذه الوحشية؟ وما ذنب هؤلاء؟ وما ذنب أطفالهم وأسرهم؟ وما ذنبي أنا؟ وإلى متى سيستمر هذا الظلم؟".
قطع سامح عليه تفكيره قائلا ً: