الصفحة 82 من 122

كان وقعُ الخبر على أم مرزوق كالصاعقة، فسقطت مغشيًا عليها. حين أنعشوها واستردّت وعيها انخرطت في بكاء مرّ ٍ وهي تردد:

-إنا لله وإنا إليه راجعون .. إنا لله وإنا إليه راجعون.

قام محسن بكلّ الإجراءات اللازمة لنقل جثمان مرزوق إلى بلده الأصلي، ومنها إلى قريته وفاء لصداقة الطفولة التي جمعتهما. حين وصل التابوت إلى قريته في آخر المطاف رمتْ أم مرزوق نفسها عليه وهي تبكي وتصيح بأعلى صوتها:

-الآن أصدقك يا أبا مرزوق. لقد كذبتْ عليّ تلك العرّافة.

وبعد إتمام إجراءات الدفن .. جاءت نساء القرية يعزينها فقالت لهن ناصحة بصوت حزين:

-إياكن والذهاب للعرافات والعرافين فهم كاذبون، يأكلون أموال الناس بالباطل. لقد كذبت عليّ العرافة وقالت لي عن مرزوق:"بكره حَ يعودْ .. بكل سعودْ .. ويريح بالك .. ويتغير حالك".

أفاق سهل من الصدمة على كابوس الواقع على صرير باب الزنزانة التي وضع فيها بعد رجوعه من المحكمة، فوجد أمامه أحد الضباط وهو يقول له باحتقار وحقد:

-قم أيها الخائن .. إني لأعجب كيف في مقدور الخونة أمثالك أن يغمض لهم جفن.

ثم التفت إلى حارسين كانا برفقته وقال لهما:

-خذاه إلى العنبر 17، عنبر الخونة والمارقين.

فتح الحارسان باب زنزانة مكتظة بالسجناء، فانبعثت منها سحابة ممزوجة بالروائح الكريهة والعرق. رفسه أحدهما إلى داخلها وهو يقول له:

-هذا مثواك الأخير مع الخونة والشياطين أمثالك.

وأغلقا الباب خلفه. وقف سهل يتصفح الوجوه البائسة .. والنفوس الحزينة .. ثم جال بنظره في أرجاء العنبر وهو يكاد يختنق من شدة الروائح الكريهة. نظر إلى السقف الذي تحول لونه إلى اللون الرمادي ثم انتقل بنظره إلى ملابس متسخة مبعثرة في كل مكان من الغرفة، وإلى مساحة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت