الصفحة 18 من 950

الشق البطاکريٹ وطوائفها إمعانا في إضعافها واتقاء لكل نهضة تجمعها وتذكي فيها إرادة البناء الذاتي ومقاومة السيطرة الخارجية

إن دراسة متأنية لأحداث القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين الذي شهد حربين عالميين تركتا آثارا عميقة وخطيرة ومستمرة في حياة العرب وغيرهم لا تلقي ضوا على تبدلات جذرية في كل صعيد وحسب عبر مائة وخمسين عاما (تغطيها الأجزاء الثلاثة الأولى من الكتاب) ، بل هي تفتح العيون والأذهان على مشاكل الحاضر الذي نعيشه وعلى صورة المستقبل الذي نختار العمل على بنائه , في معظم هذه الحقبة كانت البلاد العربية كلها تقريبا جزءا من الإمبراطورية العثمانية، وكانت مصر بالذات قد عاشت تجربة فريدة على يد محمد علي وخلفائه. وكانت تثقلها قوتان يجمعهما ترابط من نوع ما هما التوسع الأوربي الاقتصادي الرأسمالي من جهة ودولة محمد على المركزية من جهة أخرى، ويمكن القول -دون دخول في التفاصيل- إن أوروبا في مجرى التفاعل بين هاتين القوتين وجدت المجال مفتوحا للتدخل المتزايد في شؤون مصر لينتهي ذلك اخيرا بالاحتلال البريطاني عام 1882. ولا يصعب استخلاص العبرة من هذا النموذج فإن ضياع الاستقلال الاقتصادي لا يسبق ضياع الاستقلال السياسي وحسب، بل إنه يمهد السبيل إليه أيضاء

ولم تشذ الإمبراطورية العثمانية نفسها عن النموذج وإن كانت هناك اختلافات في الإيقاع والتوقيت، وقد تاجل فقدان السيطرة السياسية الكامل حتى احتلال استنبول بعد الحرب العالمية الأولى، مع أن بعض المؤرخين يقولون إن جوهر الاستقلال السياسي كان قد ضاع قبل ذلك بزمن غير يسير، ويري فيروز أحمد أن «الأتراك الشبان» كانوا مقتنعين بأن الإمبراطورية لن تستطيع البقاء على قيد الحياة بدون حماية أوربية، وانتهوا إلى توقيع تحالف مع المانيا عشية الحرب العالمية الأولى، وقد بلغ الاعتماد الاقتصادي على أوروبا درجة أصابت الاقتصاد العثماني بالشلل عندما قطعت الحرب الإمدادات من بضائع أوربية ومن رأسمال.

ولا ينسينا هذا قدرة «الأتراك الشبانه على الاستفادة من ظروف الحرب على الرغم من الثمن الباهظ الذي دفعنه بلادهم، وما اندفعوا إليه من تعبئة سياسية لجماهيرهم ومن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت