الصفحة 890 من 950

من هذا الاستعراض الموجز يتبين لنا أن الجماهير السياسية لعبت دورا رئيسيا في الثورة الإيرانية ولكن ملامحها وسلوكها لا يشبهان في شيء الدهماء المتوحشة»، التي صورها غوستاف لوبون، فالأغلبية العظمى من المشتركين في المسيرات والمظاهرات وحتى في أعمال الشغب لم تكن من المجرمين أو قطاع الطرق المأجورين أو من حثالة المجتمع، بل أفراد رصينون و امحترمونه في المجتمع. كانوا نجارا ورجال دين واصحاب مناجر ومالكي ورشات وحرفيين متمرنين وباعة جوالين وطلابا. وكان مركز الجماهير الثورية هو البازار و مناطق الطبقة الوسطى لا الأحياء الفقيرة

ولم يقدم هؤلاء المتظاهرون لمجرد اجتماعهم في مكان واحد على الانحطاط بعقليتهم الجماعية إلى أسفل درك من «التدمير والتهوره والغباء واتقلب الأهواء، بل على العكس فهم قد أبدوا ميلا للمسالمة وعدم الجنوح للعنف إلا في حال إطلاق النار عليهم أو معاناتهم للجوع، وفي المناسبات النادرة حين انخرطوا في أعمال العنف كانوا يهاجمون الممتلكات لا الناس، وطبيعي أن معارضيهم بالغوا في تصوير جميع حوادث السلوك التخريبي وجعلوا منها هجمات واسعة النطاق على المجتمع والإنسانية. وفي يونيو 1901 حين اندفع الراديكاليون إلى الشوارع اطلق الملكيون صيحات الهلع وزعموا أن المجتمع بأكمله آيل للانهيار، وفي ديسمبر 1907 حين قام الملكيون بالتظاهر في ميدان المدفعية وقتلوا اثنين كانا يحاولان أن يعيشوا فسادا في العاصمة ويقتلون كل من يعتمر قبعة اوروبية

الطراز (82)

لقد كان المتظاهرون إجمالا مسالين وعلى قدر ملحوظ من العقلانية وكانوا يرمون إلى غايات تخدم مصالح طبقتهم وجماعتهم. وحين لم تعد الشعارات مثل مصالحهم لم يکن يساورهم وخز الضمير من انسحابهم وانضمامهم إلى المظاهرات المنافسية. ولم يكن ارتداد الفقراء عن صفوف الثورة وانخراطهم في معسكر الرجعية علامة على القلب اهوائهم الموروث بل كان نتيجة لاستيائهم من الطبعة الوسطى وثورتها البورجوازية. وإن إقدامهم على التعبير عن استيائهم هذا بالانضمام إلى الرجعيين لم يكن دليل دغباوتهم، بل مؤشرا على الحضارة الإسلامية والتقليدية في إيران إيان أوائل القرن العشرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت