الصفحة 528 من 950

إنتاج بورجوازية قوية وأعوزتها الهيئات المستقلة كالمدن - الدولة والنقابات والجماعات الأخرى التي تستطيع أن تعبر وتدافع عن مصالح الطبقات أو المجموعات المعنية بتطوير الاقتصاد، وبدلا من ذلك بقيت السيطرة الصارمة في أيدي البيروقراطية العسكرية والمدنية. وثالثها، ولا ريب أنها نتيجة لازمة جزئيا على الأقل، أن أفكار الدولة الاقتصادية وسياسات الحكومة كانت غير منشورة بشكل فريد، ففي أوروبا كانت عقيدة المركتليين المذهب التجاري الأساسية تتلخص في الحاجة إلى تحريك الصادرات في سبيل تنمية عائد الصناعة المحلية وكانت التدابير المتنوعة نتخذ للوصول إلى هذه الغاية. أما في الإمبراطورية العثمانية فكانت الضرائب على الصادرات أعلى معدلا بكثير منها على الواردات، هنا كانت تسود السياسة الاحترازية حسب تعبير ميکشر (Hecksher) الذي يصف فيه موقف أوروبا القروسطية، حيث لم تكن الأهداف الرئيسية تنشيط الإنتاج المحلي بل إيجاد الاحتياجات المالية للحكومة وتأمين المدن الكبرى وخصوصا استنبول والاطمئنان على إمدادها بالتموين بشكل كاف. وقد ظهرت بعض الملامح الدالة على سياسة أكثر استنارة أيام السلطان سليم الثالث ولكنها لم تنتج إلا القليل. وبعد ذلك عرف الشرق الأوسط رجال دولة من أمثال رشيد باشا استوعبوا القواعد الليبرالية في سبيل التنمية الاقتصادية ولم يفعلوا إلا القليل لمساعدة الاقتصاد حتى الجزء الأخير من القرن التاسع عشر (11)

إن المستوى التربوي والثقافي المتدني جدا في الشرق الأوسط وبنيته الاجتماعية وشكل مؤسساته السياسية تعني أنه لم يكن يملك حكومة فعالة ولو جزئيا ولا بورجوازية وطنية تمسك بيدها تطوير اقتصاد المنطقة وتساعد على قيادة مسيرته نحو النهج المرغوب. ومنذ ذلك الحين وبعد صدمة الثورة الصناعية بكل متطلباتها من استثمار المواد الأولية في المنطقة أخذ الأوروبيون ينفذون خططهم وتساعدهم في ذلك أقليات صغيرة في التطوير والأسواق والنقل ووسائطه، هذا إذا كانوا نفذوا شيئا بالفعل. إلا أن هذا التطوير من خلال بورجوازية مزروعة في المنطقة كانت له عيوب حتمية: أولها أن حصة كبيرة جدا من ثمار التقدم ذهبت إلى الأجانب أو إلى أعضاء في الأقليات، ولو ضربنا مثلا حالة قصوى حتى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت