الصفحة 812 من 950

ينقص جعبه سوي سهم واحد وهو لعب القمار. ففي عام 1902 لم يأت علي ذکر أوراق اللعب ولو مرة في ملاحظاته. ولكنه في تاريخ لاحق بنتحدث عن خسائره في الورق مرات عديدة، وهذا يضفي اللمسة الأخيرة اللازمة لاستكمال صورة مثالية للثري المتبطل.

ويجدر بنا التنويه هنا إلى أن الروايات نصف عادة الغندورين المتكلفين العثمانيين بأنهم يشبعون السلوك الغربي: فهم لا يتحدثون إلا بالفرنسية ويحفرون بداب العروض المسرحية الفرنسية والإيطالية في بيوغلو وكذلك الحفلات الراقصة في السفارات، وسعيد بيه لديه كل هذه الصفات فهو يقرأ ويتحدث الفرنسية بطلاقة ويغشى جميع قاعات الاستماع في بيوغلو ولديه العديد من أعضاء السفارات بين معارفه، ولكن الأمر المدهش فعلا هو أن كل أذواقه وميوله بقيت بالرغم من كل ذلك عثمانية محضة، فعروض الأراجوز والمداحين والمسرح المرتجل جميعها ترددت في ملاحظاته أكثر بكثير من المسرحيات ذات الطراز الغربي. ومن الواضح أيضا أنه بفضل قاعة الشاي والأماكن التي يمكنه فيها تدخين النرجيلة والطواف على حوانيت الحلويات، حيث يحبذ الظهور من آن لآخر. والموسيقى التركية أيضا تجتذبه أكثر من حفلات الموسيقى الغربية، ومن الجدير بالذكر في هذا المجال أنه كان من بين اصدقاء سعيد بيه بعض المؤلفين الموسيقيين العظماء من الأتراك في بداية القرن العشرين- وكان أحدهم المؤلف الشهير لمعي بيه.

ونتيجة لما سبق فإن سعيد بيه فيما يتعلق باستخدامه لوقت فراغه يبدو رجلا يجمع بين صفات واهتمامات شني، فهو غربي الميل إذا ما تعلق الأمر بالأزياء السائدة وبعض العادات المتبعة، إلا أنه يبقى مع ذلك متعلقا بمظاهر عديدة محددة من حفارة بلاده. وبكلمة أخرى يبدو سعيد بيه مواطنا مثاليا من مواطني استنبول. مواطن جسر مديني يمتد بين الشرق والغرب. ترعرع في ظل حضارتين ينتقل من واحدة إلى أخرى حسب أهواء اللحظة وحسب ما تأخذه تنقلاته عبر هذه المدينة المترامية الممتدة في غير اتساق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت