فهرس الكتاب
من هذا البحث. بعد التعريف وتحديد الهدف تأتي خطوة بحث المشكلات التي تتضمنها. وهذه تقسم إلى أساسية وثانوية مع تبيان العلاقة بين الفتين. الخطوة التالية هي جمع المعلومات والمعطيات المتوافرة عن المسألة في مختلف جوانبها ومستوياتها. وفرز هذه المعلومات من حيث أهمينها ومدى تمثيلها للواقع. عند هذا الحد بصبح ممكنا طرح تصورات متعددة عن الحلول الأنسب نبعة للهدف المقرر، هذا الطرح يتلوه مناقشة كل حل ومدى فعاليته، وما يعترضه من صعوبات وما يتضمن من تسهيلات. وانطلاقا من هذه المناقشة للحلول يمكن ترجيح الحل الأنسب تبعة لإطار المشكلة وظروفها من ناحية، وللهدف المحدد من ناحية ثانية. وأخيرة ترسم خطوات ومراحل التنفيذ وأدواته وأساليبه. طبعا لا يأخذ الأمر دومة هذا التسلسل المنهجي المتين. إنما في الذهنية المتقدمة هناك باستمرار تنظيم للتفكير واسترشاد بإطار منطقي يمكن الباحث من العودة إلى الطريق السليم، إذا انجرف في اعتبارات جانبية.
أما الذهنية المتخلفة فهي تغرق في التخبط عند كل مرحلة من المراحل السابقة. كما تقفز من مرحلة أولية إلى مرحلة نهائية كي يتضح لها العجز عن متابعة السير، فتعود القهقرى إلى الوراء. وتظل هكذا بين إقدام وإحجام، لا تستطيع أن ترجح حلا على آخر. وهي إن فعلت فأغلب الظن نتيجة لتدخل عوامل ذاتية وانفعالية أكثر منها مراعاة لاعتبارات منطقية. ومن هنا ندرك مدى الهدر في الوقت والجهد الذي تتعرض له العقلية المتخلفة، ومدى التذبذب وانعدام اليقين، نظرا لافتقار الحلول إلى المتانة المنطقية.
ولا يتوقف هذا التخبط والمحاولة والخطأ على بحث الأمور النظرية، بل هو النمط الشائع في التصدي للحياة بقضاياها اليومية. حتى إن العمل المهني لا يسلم من هذا التخبط. فنجد العامل مثلا يقدم على تصليح آلة ما عن طريق المحاولة والخطأ، وهو ليس على يقين من مصدر العلة ولا من احتمالات النجاح في علاجها. يرجع هذا الأمر بطبيعة الحال إلى الجهل في أغلب الأحيان، والإقدام على ممارسات يفتقر فيها العامل إلى التخصص الكافي. ولكنه نظرا لحاجته لكسب قوته يدعي المعرفة فيما لا خبرة له فيه، فإذا نجح كان ذلك حظا وتوفيق، وإذا فشل فإنه يغطي فشله باختلاق أعذار وتفسيرات تبدد جهد ومال من استعان بخدماته
و إذا كان التخبط واعتباطية الالتماس بميزان أسلوب الفنات غير المتعلمة، فإنهما لا يقتصران عليها مطلقا. إنهما على درجة كبيرة من الانتشار بين أغلب فئات المتعلمين، حتى أولئك الحاصلين على الدرجات الجامعية، على المستوى الجامعي يلاحظ المرء مدى الصعوبات التي تعترض الطلاب من الناحية المنهجية. هناك عجز شبه تام عن اتباع المنهج المنطقي في عرض الأمور، ذلك هو السبب المباشر لفشل نسبة هامة من الطلاب في الامتحانات، رغم حفظهم اادة عن ظهر قلب. إنهم لا يعرفون ماذا يختارون للإجابة، ولا يعرفون كيف