فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 248

يعرضون المادة المختارة، مما يجعل إجابتهم أقرب إلى تداعي الأفكار منها إلى عرض منظم للموضوع. تبلغ هذه الصعوبة أقصى درجاتها حدة في الدراسات العليا. تبعا لخبرتنا الشخصية، يمكننا القول إن العجز المنهجي هو العقبة الأساسية التي يصطدم بها الراغب في القيام ببحث علمي، يبدو القصور مذهلا على هذا المستوى، وهو الذي يصرف غالبية هؤلاء عن متابعة مشاريعهم، بعد نجاحهم في امتحان الدروس النظرية. عندما نطلب إلى الواحد منهم وضع تصميم للموضوع الذي اختاره بعجز عن تحديد ماذا يريد أن يبحث وكيف. الغموض يسيطر عليه لدرجة اليأس إذا لم يلق مساعدة هامة من المشرف على بحثه. التشوش والتداخل يجعلانه عاجزة عن الاستفادة من معلوماته.

لا يقتصر الأمر على الطلاب، بل نجد الكثير من المؤلفين الجامعيين يفتقرون إلى الدقة والتنظيم المنهجي في كتاباتهم. إنهم يذهبون في كل اتجاه، ويتحدثون عما يلائم وما لا يلائم الموضوع، ويقعون في التكرار، مما يجعل كتاباتهم أقرب إلى تكديس المعلومات منها إلى تنسيقها. إن الذهن المتخلف ما زال عاجزة عن إدخال التنظيم على الواقع، لأنه يفتقر هو ذاته إلى التنظيم والمنهجية، ويعيش في التخبط والعشوائية.

ويرتبط بمسألة انعدام المنهجية تصور عمليات التحليل والتوليف كخطوتين مترابطتين ومنتابعتين في بحث المسائل. يظل الإنسان المتخلف على مستوى الملاحظة الساذجة والانطباعات الأولية، مما يدفع به إلى الاكتفاء بالمعرفة الحدسية التي لا تذهب بعيدا عادة في البحث العلمي، إذ إنها تشكل مرحلة أولية منه. وهكذا يظل على السطح، لا يمسك من الظواهر إلا جوانبها الخارجية. هناك عجز عن الغوص في تحليل التفاصيل والمقارنة بينها. وهنالك عجز عن استعراض مختلف جوانب المسألة. يظل التفكير انطباعة قاصرة عن الالتماس النقدي (ما لكل أمر وما عليه) . إن تحليل الظواهر عمقة واتساعة هو الشرط الأساسي للسيطرة على الواقع. وبمقدار عمق التحليل ترتقي الاستنتاجات. بعجز الذهن المتخلف عن الذهاب بعيدا في تحليله للأمور، لأنه لا يدرك أن لكل ظاهرة مستويات متعددة من العمل والاتساع. وأنها تبدو مختلفة تبعا لكل مستوى. والخطر كل الخطر هو الاكتفاء بالمستويات الخارجية التي تشكل عادة قناعة بخفي الحقيقة بقدر ما يعبر عنها. خطر هذا الموقف المتسرع، يتلخص بإطلاق الأحكام القطعية والنهائية بشكل مضلل. فالحقيقة نسبية دائمة وقيمتها رهن بالمستوى التحليلي الذي بنيت على أساسه. كل حقيقة تخفي وراءها أخرى أكثر محورية منها، كل حقيقة هي بهذا المعنى قناع، لا بد من تجاوزه عمقة واتساعة إذا أردنا الارتقاء بالمعرفة الإنسانية للوجود.

يبدو وكان الذهن المتخلف العاجز عن الغوص في تحليل الظواهر عمقة واتساعا،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت