فهرس الكتاب
نلاحظ أن إنسان العالم المتخلف پرزح تحت عبء انفعالاته التي تفيض على العالم، ملونة إياه بصبغة ذاتية واضحة، العالم وقضاياه تعاش من خلال الذات، من خلال قوالب التفكير المنطقي، ولذلك فإن درجة الموضوعية تنحسر في معظم الأحيان كي تتلاشى كلية في حالات خاصة، وبالتحديد في أوقات الشدة. وبينما تتطلب وضعيات الحياة الصعبة مزيدا من الموضوعية والعقلانية كي يمكن مجابهتها بدرجة معقولة من الفعالية، نجد الإنسان المتخلف يغرق في تلك اللحظات بالذات في تيار جارف من الانفعالات، يجعله يفقد السيطرة على الواقع، ويدفع به إلى الارتماء في التفكير الخرافي والسحري والغيبي، كوسيلة وحيدة متبقية للخلاص من المأزق.
إن طغيان الانفعالات وما يرافقها من نکرص على مستوى العقلانية، ظاهرة مألوفة في الأزمات، ولكنها عند الإنسان المتخلف تكاد تكون الأسلوب الأساسي في الوجود، لأنه بالتحديد يعاني من أزمات مزمنة تتخذ طابع المأزق المعيشي، الذي لا يرى لنفسه خلاصة منه. هذا المأزق يجعله يعيش في حالة دائمة من التوتر الانفعالي الذي ينبث في حنايا شخصيته معطلا القدرة على الحكم الموضوعي، والنظرة العقلانية إلى الأمور، وهكذا فإن التوتر الانفعالي، بمقدار ما بتصعد بخلق عقبات معرفية متفاقمة أمام الإنسان المقهور. إذ إن إرصان الواقع،1 وما يتطلبه من حياد نفسي (نسبي بالضرورة) ، يستلزم ضبط الانفعالات ضمن حدود لا تتعداها. هذه الحدود تتلخص بمد الذهن بالقوة الدافعة للاهتمام بالعالم واتخاذ المواقف تجاهه، إذ إن غياب الانفعالات، وشحاح الوجدان يفقد العالم جاذبيته، دافعة بالمرء إلى حالة من البرود وعدم الاكتراث التي قد تصل حد الجمدة، 2 مما يجعله يدير ظهره لذلك العالم، ويقع في التبلد الكلي. أما القمع المفرط للانفعال والوجدان فيحول الإنسان إلى آلة صماء، أو يلقي به في الأسلوب الهجاسية 3 في مجابهة الأمور. ويتلخص هذا الأسلوب الأخير في عقلانية مفرطة ومتزمتة، في حال من هوس التحليل والدقة والتركز حول التفاصيل التي ترهق المرء وتفقد حياته كل حرارتها. هذه الحالة تلاحظ حاليا في العديد من قطاعات الصناعة المتقدمة التي تقوم على الضبط الرياضي والدقة العلمية المفرطين، محولة الإنسان إلى مجرد آلة، أو ترس في آلة الإنتاج الضخمة.
هذا التوازن الضروري بين الانفعال والوجدان، وبين المنطق والعقل، لا يتيسر لإنسان العالم المتخلف لأسباب عديدة، سنأتي على ذكرها في القسم الثاني من هذا الفصل، وأهمها القهر وانعدام مشاعر الأمن وطغيان مشاعر الدونية. كلها عوامل تصد الذهن نظرا لما تولده
(1) إرصان Elaboration
جمدة Catatonie (2)
(3) مجاس Obsession