فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 248

من قلق. فإذا زاد هذا القلق عن حد معين، فإنه يشل القدرة على الحكم الموضوعي. كما أن حالة القمع المزمن التي يعيشها الإنسان المتخلف تؤدي، كما رأينا في بحثنا لمرحلة الرضوخ ومرحلة الاضطهاد، إلى تراكم مفرط للانفعالات وإلى تأجيج للعواطف وتفجير للمشاعر الأكثر طفلية وعنفة، مما يجعله يبدو مرکزة تماما حول ذاته. هذا التركز الذي يبلغ درجة النكوص إلى الأنوية) 1 في أحيان كثيرة، يؤدي إلى انهيار القدرة على التجريد الذي يشكل أحد أرقى المظاهر الذهنية في التكييف للواقع والسيطرة عليه.

إن طغيان الانفعالات على هذا النسق يضع الإنسان المتخلف أمام الحاجة الملحة للتخلص من ضغطها وما تخلفه من توتر داخلي صعب الاحتمال. ومن المعروف نفسية، أن أكثر الوسائل فعالية وبدائية للتخلص من هذا التوتر، هو الإسقاط 2 الذي يسمح بتصريف الانفعالات من خلال صبها على الخارج، على العالم وظواهره وعلى الأشخاص والعلاقات معهم سواء بسواء، ولذلك فإن الإنسان المتخلف برى أعداء حوله في ظواهر الطبيعة وعقباتها، وفي مواقف الآخرين منه. يتلون العالم بصبغة انفعالية بقدر التوتر الداخلي الذي يعاني منه، مما يصعد من حدة انفعالاته من خلال إرجاع الأثر 3 كوسيلة لمجابهة العداء الخارجي. وهكذا ينجرف في دوامة الانفعال النشط (العدوان والإقدام) ، أو الفاتر المعاناة واجترار الآلام الوجودية)، مما يجعل العالم يبدو اعتباطية غير منطقي. ومن الحتمي ساعتئذ أن يعجز هذا الإنسان عن إدراك القوانين الموضوعية لظواهر الوجود، التي تتطلب إعمال العقل وضبط العاطفة.

تنتج عن هذه الحالة عدة ظواهر، كثيرة الشيوع في العالم النامي، أبرزها سرعة تدهور الحوار العقلاني والتفكير المنطقي، والتعصب والتحيز وسرعة إطلاق الأحكام القطعية والأحكام المسبقة، وسيطرة التفكير الخرافي والسحري.

من المظاهر التي تلفت نظر الملاحظ، السرعة الواضحة في تدهور الأداء العقلي والحوار المنطقي بين الناس في العالم المتخلف. فالنقاش الذي يبدأ موضوعية واقعية لا يلبث أن يفجر انفعالات تؤدي إلى اضطرابه، ويتحول الأمر من الحوار الهادئ، من المنطق الذي يجابه الحجة بالحجة إلى صراخ ومهاترات، ک? ينزلق بسرعة إلى حوار الطرشان، عند أول عقبة مادية أو مقاومة يبديها الشخص الآخر. وحوار الطرشان هو بكل بساطة انهيار علاقة التفاعل وانكفاء على الذاتية ذات الانفعالات المفرطة، التي تحول الآخر إلى مجرد عقبة تعوق الوصول إلى

(1) الأنوية Egocentrisme

(2) الإسقاط Projection

(3) إرجاع الأثر- Back .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت