فهرس الكتاب
الهدف الشخصي، ويتحول النقاش إلى صراخ وخصام يسير صعدة نحو مزيد من تدهور العلاقة وانهيار المنطق. ومن الصراخ إلى الشتائم يسير التدهور نحو اللغة الحركية، لغة القوة والإخضاع بعد أن فشل الإقناع. ذلك هو سبب سرعة الصدام العنيف عند إنسان العالم المتخلف، الإحساس بعدم القدرة على السيطرة على الواقع، من خلال العقل والمنطق، لأن هذا الواقع يبدو في النهاية لا عقلانية ولا منطقية.
إن طغيان الانفعالات على هذه الصورة بعطل التجريد العقلي والتكيف للواقع، لأنه يؤدي إلى انحسار المجال الحيوي. تنحسر آفاق المستقبل ويلغي الواقع العريض الذي يعطي الأشياء والظواهر حجمها الحقيقي. هذا الانحسار زمانية ومكانية يؤدي بدوره إلى التركز حول الحاضر، حول المشكلة الآنية التي تبدو عندها كمسألة أزلية، أو كل المسألة الوجودية، كما أنه يؤدي إلى تضخيمها بشكل مفرط فتكتسب أهمية ليست لها في الواقع. وهكذا ينمحور الوجود عند الإنسان المتخلف، حول قضايا بسيطة يبدو أنها تكون حياته كلها، مما يجعله يستجيب بشكل مفرط في انفعاليته وحذته. إنه يستجيب، لا لهذا الأمر الطاري أو البسيط، بل في الحقيقة لوجوده الذي يعاني من القهر المزمن والذي يتفجر في كل لحظة وعند كل عقبة. كل عقبة ترجعه إلى المأزق الحيوي الذي يعيش فيه، وتجعل استجابته بالتالي من نوع الاستجابات الحيوية، استجابة على مستوى المأزق. وهكذا تنشا الحلقة المفرغة، عجز العقل عن السيطرة على الواقع يفجر الانفعالات، وهذه بدورها تزيد من حدة هذا العجز.
أحكام الإنسان المتخلف على الظواهر والأشخاص يشوبها الكثير من التحيز والقطيعة. إنها أحكام متسرعة ونهائية تصنف الظواهر والناس في فئات جامدة سالبة كلها أو إيجابية كلها، أو هي متأثرة إلى حد كبير بالأفكار المسبقة والآراء الشائعة التي يطغى عليها التعصب. ذلك أن طغيان الانفعالات، بإلغائها لوظيفة النقد العقلي، تفتح الباب واسعا أمام بروز الميول الاختزالية، 1 التي تحول الآخر من حالته كشخص إلى مجرد أسطورة تلعب دور السند المادي للإسقاطات الذاتية على الخارج. يتحول الآخر إلى مجرد رمز للسوء، أو الشر أو التعطيل أو الخطر أو الضعف أو العنف، أو الحب والعون، الخ ... ومنذ تلك اللحظة بتحدد التعامل معه والموقف منه انطلاقا من دلالة الرمز الذي أعطي له، الذي يستخدم أصلا، کتبرير مادي للانفعال الذي ارتبط به، سلبا أم إيجابا.
إزاء مازق العقلانية، وتعطل المنطق، وإلحاح الحاجة إلى الحل نظرة لنازم التوتر الداخلي، بنجرف الإنسان المتخلف في التفكير الخرافي الغيبي كوسيلة سحرية للخلاص. ومن هنا كثرة انتشار الخرافة في أوساط الجماهير المقهورة. الخرافة، تبعا للدكتور إبراهيم
النقد العقلي، تفتح الباب
في عليها التعصب.
تحول الآخر من
ميل اختزالي Tendance Reductioniste.