فهرس الكتاب

الصفحة 230 من 248

تسد جميع أبواب الأمل، وتتضخم مشاعر العجز. بالطبع إن خطورة هذه الوضعية لا تحتاج إلى تدليل. فمن المستحيل عملية على أي كائن أن يحقق هذه الآمال السحرية في الخلاص الآني، وفي تحول المصير من النقيض إلى النقيض. لا بد بعد فورة النشوة بقرب الخلاص، من بروز خيبة الأمل حين يتحقق الإنسان المقهور أنه كان يتعلق بسراب. وهو عندها معرض الليأس يتسرب إلى نفسه، للكفر بكل شيء، وللانكفاء على الذات أو الهروب. مشكلة هذه الوضعية هي أن الإنسان المقهور يراهن على خلاصه على يد الزعيم المنقذ دون أن يعطي لنفسه دورة في السعي لهذا الخلاص، سوى دور التابع المعجب المزيد دون تحفظ، والمنتظر للمعجزة. وهو يشتط في ذلك حتى يصل به الأمر إلى ازدراء إمكانات العطاء عند الجماهير، تلك هي المشكلة الحقيقية. يزول الإعجاب بعد فترة تطول أو تقصر، حاملة له خلالها خيبة الأمل، كي يحل محله الكفر بهذا الزعيم. ويسبق الشك الكفر بطبيعة الحال، ويحل العدوان محل التعلق والتبعية، ولا يرى الإنسان المقهور بديلا للخلاص السحري، لأنه فقد الثقة بإمكاناته وإمكانات أمثاله منذ زمن بعيد. فهو بحاجة أبدا إلى من يدير له أموره نيابة عنه. وحتى حين تتاح الفرصة لهذه الإمكانات أن تنفجر فإنها تأخذ في البداية طابع القدرة السحرية على التغيير، كما يلاحظ في المراحل الأولية للكفاح المسلح، حين يعتقد الإنسان المقهور أن السلاح كفيل بحل مشكلاته، وأنه وحده دون سواه الطريق إلى الخلاص. ولكن يأتي يوم يتضح فيه أن السلاح وحده لا يكفي.

والعلاقة مع الزعيم المنقذ هوامية، لأنها ليست علاقة مع إنسان فعلي له قدراته وطاقاته وحدوده وعيوبه، إنها من نوع التماهي الإسقاطي، بمعنى أن الإنسان المقهور بسبغ على شخص الزعيم كل تصوراته الطفلية بالقوة والقدرة وكل مثله العليا، ويجعل منه باختصار الصورة النقيض تماما لصورته عن نفسه والتي يجهد في الهروب منها لأنها نموذج النقص والمهانة، إن الإنسان المقهور لا يعيش في علاقته بالزعيم، علاقة فعلية بين إنسان وآخر (على اختلاف المقامات) بل بين إنسان وتصور خرافي يسقط على الزعيم. وهذا ما يحمل الزعيم أعباء لا قبل لأحد من بني البشر بها. يتصور الإنسان المقهور علاقته مع الزعيم المنقذ بشكل تملكي، فهو تابع ولكنه بحس في قرارة نفسه أن هذا الزعيم مجرد أداة لتحقيق آماله. ويحس أن علاقته معه لا يمكن أن يعتريها الوهن، وأن ما وضعه فيها من رجاء لا يمكن أن يخيب. ويحس أن عليه أن يقعد کالطفل منتظرة الهناء والأمن والخير الوفير يأتيه هينا على يدي الزعيم المنقذ، كما كان ياتيه طفلا من أمه. فالزعيم المنقذ هو الأب الحامي والأم المرضعة على السواء، وهو بالتالي رمز الكمال الذي يحاول التماهي به أسلوب لحل مازقه بشكل سحري.

صورة الزعيم المنقذ الذي يشكل المثل الأعلى، ضرورة حيوية للجماعة، أي جماعة نهر عنصر نماسك بين أفرادها. فمن خلال التماهي بالزعيم، يتم التماهي بين أعضاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت