القرون السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر، وخاصة منذ القرن السابع عشر ولحد الآن.
في القرنين الرابع عشر والخامس عشر عندما كان يقال في أوروبا: جاء العلماء فإن ذلك كان يعني علماء الدين، كما أننا نستعمل هذا المصطلح بهذا المعنى في الوقت الحاضر، فحين نقول «علماء» نقصد علماء الدين، لماذا؟ لأنه كل نشاطات العلمية مقتصرة على المراكز الدينية، ومن هنا كان العلم يعني العلم بالدين، وكانت كل العلوم تحت إشراف الدين ورجال الدين. وفجأة في القرن السابع عشر حينما كان يقال: جاء العلماء، كان السؤال الذي يطرح هو: أي علماء؟ علماء الدين أو العلماء غير الدينيين؟
أصبح العلماء غير الدينيين ظاهرة جديدة وواقعة اجتماعية جديدة تماما. كان عددهم في البداية قليلا، كانوا أمثال کوبرنيکس و جاليليو، ثم ازدادوا بالتدريج وانتشروا في كل مجالات الحياة، وسيطروا على كل وجوهها ثم شكلوا طبقة. هؤلاء العلماء غير الدينيين هم المشتغلون بالفكر، هم طبقة أهل الفكر، أي أن أولئك الذين كانوا قد درسوا في مدارس غير دينية وعلى أيدي أساتذة غير علماء المراكز الدينية ومدرسيها، كونوا طبقة يمتاز أفرادها تماما في كل المدن وفي كل المناطق