نرى إذن أن مادية المثقف الأوروبي، لم تكن كمادية مفکر فيلسوف يضع الدنيا والأرض والسماء والمدارس الفكرية المختلفة قيد بحثه ثم يميل إليها، بل على العكس من ذلك، نجدها رد فعل طبيعي للأوضاع الإجتماعية التي كانت سائدة في القرن الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر، أي أن مادية
طبقة أهل الفكر في أوروبا تعد رد فعل طبيعي جدا ومنطقي للإفراط في الروحانية والميل إلى الآخرة الذي كان سائدة في مجتمعه في العصور الوسطى، وأن تقديس طبقة أهل الفكر للعلم هو رد فعل لعداء رجال الدين في العصور الوسطى له، إذ كانوا يرون العلم نوعا من الخيال والوهم ويقاومون كل نوع من الاختراعات والكشوف والاستنتاجات العلمية والعقلية، ويحصرون العلم في سجن العقائد الجامدة المتحجرة التي يدافعون عنها باسم الدين، فيأتي المفكر ويدافع عن العلم لمواجهة هذه الطبقة، ويجعل منه منطلقا له، لكن أي نوع من العلم؟ بالطبع هو العلم الذي سجنه علماء العصور الوسطى وحصروه، هو العلم الذي كان عرضة للاحتقار والإزدراء من قبل مجتمع العصور الوسطى وعلى يد رجال الدين، فنتيجة
طبيعية أن يلجأ إلى العلمانية. لماذا؟ لأن العلمانية مدرسة فكرية تجعل الإنسان الأوروبي من طبقة العاملين بالفكر عارفة بالطبيعة وعارفة بالإنسان كمادة، ولأنها تفسر غرائز الإنسان، فيستطيع