المبحث الثاني
مكانة الصحابة
اختص الله الصحابة - رضي الله عنهم - بخصيصة ليست لغيرهم من الناس؛ وهي أنه لا يسأل عن عدالة أحد منهم، فهم جميعهم عدول ثبتت عدالتهم بأقوى مما ثبتت به عدالة أحد، فقد ثبتت بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب:
فقوله تعالى: {? ? ? ? ? ? ? ? ?} . [سورة آل عمران:110] .
وقوله تعالى: {? ? ? ? ? ? ? ?} . [سورة البقرة: 143] .
وجه الدلالة:
ثناء الله عليهم ومدحهم بالعدالة، ففي الآية الأولى إثبات الأفضلية على سائر الأمم، وذلك يقضي باستقامتهم في كل حال، وجريان أحوالهم على الموافقة دون المخالفة، وفي الآية الثانية إثبات العدالة مطلقًا، وذلك يدل على ما دلت عليه الآية الأولى [1] .
وقوله تعالى: {? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? - ? ? ? ? ? ? - ? ? ? ? ? ? ?} . [الفتح:29] .
وجه الدلالة:
ثناء الله تعالى عليهم ومدحه لهم، ومن أثنى الله عليه كيف لا يكون عدلًا.
قال القرطبي [2] :
«فالصحابة كلهم عدول أولياء الله تعالى وأصفياؤه وخيرته من خلقه بعد أنبيائه ورسله، هذا مذهب أهل السنة والذي عليه الجماعة من أئمة هذه الأمة، وقد ذهبت شرذمة لا مبالاة بهم إلى أن حال الصحابة كحال غيرهم فيلزم البحث عن عدالتهم، ومنهم من فرق بين حالهم في بداءة الأمر فقال: إنهم كانوا على العدالة إذ ذاك، ثم تغيرت بهم الأحوال؛ فظهرت فيهم الحروب وسفك الدماء فلابد من البحث. وهذا مردود؛ فإن خيار الصحابة وفضلاءهم كعلي وطلحة والزبير وغيرهم - رضي الله عنهم - ممن أثنى الله عليهم وزكاهم ورضي عنهم وأرضاهم ووعدهم الجنة بقوله تعالى: {? ? ?} ؛ وخاصة العشرة المقطوع لهم بالجنة بإخبار الرسول، هم القدوة مع علمهم بكثير من الفتن والأمور الجارية عليهم بعد نبيهم بإخباره لهم بذلك، وذلك غير مسقط من مرتبتهم وفضلهم؛ إذ كانت تلك الأمور مبنية على الاجتهاد، وكل مجتهد مصيب» [3] .
(1) الموافقات للشاطبي (4/ 447) .
(2) هو: أبو عبدالله محمد بن أحمد بن أبي بكر الأنصاري القرطبي المالكي، من المفسرين الفقهاء، توفي بمصر سنة 671 هـ، له الجامع لأحكام القرآن، المبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان، والأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، والتذكرة بأحوال الموتى والآخرة.
شذرات الذهب (5/ 333) ، الديباج المذهب (ص 317 - 318) .
(3) الجامع لأحكام القرآن (16/ 299) .