الصفحة 18 من 43

القسم الثاني: إدارة الأوقاف تاريخًا:

إنّ الغاية من دراسة إدارة الأوقاف في التّاريخ الإسلامي تتمثّل بمعرفة النمط الإداري الذي تمّ استخدامه خلال إدارة تلك الأوقاف، هل هو النّمط الإداري المركزي أو اللامركزي؟.

أولًا: إدارة الأوقاف في عصْر النّبوة:

إنّ النّاظر في الأحاديث النبويَّة التي تتحدّث عن الوقف يدرك إنَّ إدارة الشيءالموقوف تظل بيد الواقف نفسه, وهذا يعني أننا بصدد النظام الإداري اللامركزي في تلك الحقبة. والذي يؤكد ذلك مارواه نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَصَابَ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ فَمَا تَأْمُرُ بِهِ. قَالَ: إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا. قَالَ فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ، وَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الْفُقَرَاءِ وَفِي الْقُرْبَى وَفِي الرِّقَابِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَالضَّيْفِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ وَيُطْعِمَ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ" [1] ."

والشاهد من الحديث والذي يدلّ على لامركزية الإدارة قوله - صلى الله عليه وسلم - لسيدنا عمر - رضي الله عنه: «إن شئت حبست أصلها، وتصدّقت بها» ، فعندها منحه حقّ التصدّق بريع تلك الأرض، دلّ ذلك على منحه إدارته لها، وكان ذلك ـ وفق التعبير المعاصر ـ بمنزلة اللامركزيّة الإداريّة، وعندئذ أدارها سيدنا عمر - رضي الله عنه - من خلال استثمارها، ثم التصدّق بعائدها على من ذكر، ثم أعلن أنّ من أدارها بعده فلا جناح عليه أن يأكل منها بالمعروف. وهذا يعني أن الواقف يدير ما وَقَفَ، وقد يعيّن المدير للشيء الموقوف بعد وفاته، وينبغي أن يؤخذ بشرطه آنئذٍ، وقد اشتهرت القاعدة الفقهية الوقفية في ذلك،

(1) البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، مجلد 2، ج 4، كتاب الشروط، باب الشروط في الوقف، دار القلم، بيروت، لبنان، ط 1، 1407 هـ / 1987 م، ص 385،384.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت