وقد ورد مثل ذلك في شريعتنا، قال سيّد المسلمين صلّى اللّه عليه وسلّم حاكيا عن الحق جلّ اسمه: «و لن يتقرب إليّ المتقرّبون بأفضل من أداء ما افترضت عليهم، ثم لا يزال العبد يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبّه، فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، ويده الذي يبطش بها» «1» .
ومحال أن يكون الخالق حالّا/ في كل جارحة من هذه الجوارح، أو يكون عبارة عنها.
لكن لما بذل العبد جهده في طاعة اللّه، كان له من اللّه قدرة ومعونة، بهما يقدر على النطق باللسان، والبطش باليد، إلى غير ذلك من الأعمال المقرّبة «2» .
ولذلك يقول من أقدر شخصا على أن يضرب بالسيف؛ ولو لاه لما قدر على ذلك: أنا يدك التي ضربت بها.
فهذا ضرب من المجاز، استعماله حسن شائع غير منكور، وقد صرّح عيسى- عليه السلام- في هذا النصّ بجهة المجاز، بقوله: «لأن الكلمة صارت إليهم» . ومحال أن يريد بالكلمة لفظا ذا حروف، وإنما يريد/ بالكلمة؛ سرّا منه يهبه لمن يشاء من عباده، يحصل لهم به التوفيق إلى ما يصيرهم غير مباينين للّه عز وجل، بل يصيرهم لا يحبون إلا ما يحبه، ولا
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب التواضع، رقم (6502) .
بلفظ: «و ما تقرب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضته عليه، وما زال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبّه ... » .
(2) قال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين: «فأنت ترى أن اللّه تعالى ذكر في الحديث عبدا ومعبودا، ومتقرّبا ومتقرّبا إليه، ومحبا ومحبوبا ...
فالحديث يدل على اثنين متباينين كل واحد منهما غير الآخر. فإذا كان كذلك لم يكن ظاهر قوله: كنت سمعه وبصره ويده ورجله؛ أن الخالق يكون جزءا من المخلوق أو وصفا فيه- تعالى اللّه عن ذلك- وإنما ظاهره وحقيقته أن اللّه تعالى يسدّد هذا العبد في سمعه وبصره وبطشه ومشيه، فيكون سمعه للّه تعالى إخلاصا، وبه استعانة، وفيه شرعا واتباعا، وهكذا بصره وبطشه ومشيه». ا. ه من كتاب: «إزالة الستار عن الجواب المختار لهداية المحتار، مسائل متعددة في العقيدة تمس الواقع» . نشر دار ابن خزيمة. ص 23.
وانظر: «فتح الباري» (11/ 352) .