الطالب رؤية الإله، بقوله: «لي معكم كل هذا الزمن ولم تعرفني وأنا إنسان» .
مع أن معرفة الإنسان ممكنة، فكيف تتصور أن تعرف الإله الذي لا تتصور معرفته بحاسة البصر، ولا يتبيّن كنه حقيقته بالأجناس والفصول، ثم عدل عن ذلك مبيّنا أن الإله إنما تطلب معرفته ليكون المكلف واثقا/ بأن هذه الأحكام صادرة منه، فقال: «من رآني فقد رأى الأب» . أي أنا عنه أخبر، ثم أوضح ذلك بقوله: «و هذا الكلام الذي أتكلم به، ليس هو من عندي» . ثم لم يقتصر على نسبة الكلام إلى اللّه عزّ وجلّ، فقال: «بل أبي الذي هو حالّ فيّ يفعل هذه الأفعال» . ثم ساق نفسه بالكلام على حدّ ما أوّل.
بقيت لهم شبهة لفظية، وقعت لبعضهم ظنا منه أن الكلمة حيث ما أطلقت يجب أن يكون المراد منها عين ما اصطلحوا عليه في أقانيمهم لتصحيح ما يتعذّر عليهم إرادة ظاهرة المتعدّد/ بالذات. وهذا وهم عظيم، وعماية خيّلت له أن هذا الاصطلاح الذي حملهم ما أشرنا إليه من الضرورة على أن ما قالوا به يجب أن يكون مرادا لأهل كل شريعة.
فلذلك استدل على إلهية عيسى عليه السلام، بما ورد في الكتاب العزيز، وهو قوله جلّ من قائل: يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ولا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ «2» .
(1) العنوان من وضع المحقق.
(2) سورة النساء: 171. وقال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية: «أي إنما هو عبد من عباد اللّه وخلق من خلقه، قال له: كن، فكان. ورسول من رسله، وكلمته ألقاها إلى مريم؛ أي: خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل عليه السلام إلى مريم، فنفخ من روحه بإذن ربه عزّ وجل، فكان عيسى بإذنه عزّ وجلّ، وكانت تلك النفخة التي نفخها في جيب درعها، فنزلت حتى ولجت فرجها؛ بمنزلة لقاح الأب والأم، والجميع مخلوق اللّه عزّ وجلّ، ولهذا قيل لعيسى: إنه كلمة اللّه وروح منه، لأنه لم يكن له أب تولد منه، وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال لها بها: كن فكان، والروح التي أرسل بها جبريل» . انظر: «تفسير-