وحمل ذلك منهم على أحوال الأولياء الشاغلة عن التحفظ في المقال، حتى قال بعضهم: هؤلاء سكارى، ومجالس السّكر تطوى ولا تحكى «1» !!
كل ذلك لقضاء صريح العقل باستحالة كون هذه الظواهر مرادة. ثم تجدهم كأنهم تواصوا على السلوك في أضيق الطرق، حتى صاروا هزأة/ للساخرين.
ولم ينبض لأحد منهم عرق العصبية ولهم مخرج ومندوحة عما ورّطوا أنفسهم فيه. وكيف يصادم المعقول من كان متمكنا من حمل الكلام على محامله السديدة؟ أما «2» إطلاق الحلول «3» ، فقد سلف منّا بيانه.
«4» وأما الرّبّ فيطلق بالاشتراك على اللّه جلّ اسمه، وعلى المالك، فيقال:
رب المنزل، ورب المتاع.
(1) هذا الكلام الذي ذكره الغزالي هنا، ذكره في عدة كتب له، منها: «إحياء علوم الدين» و «روضة الطالبين» ص 17 و «مشكاة الأنوار» ص 132. وغيرها.
وهذا الكلام لا يتوافق وشريعتنا الغراء النقية، واعلم أن اللّه تعالى حرم الخمر وذم السكارى، وذلك لأنها تذهب العقل، وتجعل من صاحبها ينطق بالترهات، فجاء الصوفية والزنادقة وأحيوها من جديد في قلوب الناس باسم سكر الخيالات، والعشق الإلهي، حتى قال أحدهم:
إن المحبة للرحمن أسكرني ... وهل رأيت محبا غير سكران!!
مع أن اللّه تعالى لما حرم الخمر في الصلاة؛ ذكر علة ذلك بقوله: حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ [النساء: 43] ، فكيف الأمر خارج الصلاة، وخاصة أن الكلام الخارج من أفواه هؤلاء السكارى! كلام لا ينطقه كافر عاقل، بل إنما ينطقه المجانين، ومعلوم حكم المجانين في الإسلام، وعند العقلاء. نعوذ باللّه أن نضل بعد أن هدانا اللّه.
(2) في المطبوع: [و أ ما] .
(3) يقسم العلماء الحلول إلى قسمين: أ- حلول خاص: وهو قول النسطورية من النصارى الذين قالوا إن اللاهوت حلّ في الناسوت كحلول الماء في الإناء، وكقول الحلاج وابن عربي الذين قالوا إن اللّه حل في بعض المخلوقات، وكقول بعض الغلاة الذين قالوا إن اللّه تعالى حلّ في عليّ بن أبي طالب فأداهم ذلك إلى القول بإلهية علي- تعالى اللّه عن ذلك.
ب- حلول عام: وهو قول الجهمية ومن شاكلهم؛ الذين قالوا: إن اللّه موجود في كل مكان بذاته.
انظر: «معجم ألفاظ العقيدة» ص 150 - 152.
(4) هذا العنوان من وضع المحقق.