الصفحة 9 من 98

بعد موت والد الغزالي، ووصيته ذلك الرجل بهما، أقبل الرجل على تعليم الولدين إلى أن فني المال الذي تركه لهما. ثم قال لهما: «اعلما أني قد أنفقت عليكما ما كان لكما. وأنا رجل من الفقر والتجريد، بحيث لا مال لي فأواسيكما به، وأصلح ما أرى لكما أن تلجئا إلى مدرسة، فإنكما من طلبة العلم، فيحصل لكما قوت يعينكما على وقتكما» . ففعلا ذلك وكان ذلك سببا في سعادتهما وعلو درجتهما.

وكان الغزالي يحكي هذا القول ويقول: «طلبنا العلم لغير اللّه فأبى أن يكون إلا للّه» . وقد كان الغزّالي: «من أذكياء العالم في كل ما يتكلم فيه، وقد ساد في شبيبته حتى أنه درّس بالنظامية ببغداد وكان يحضر درسه هذا بعض أكابر العلماء، وممن كان يحضر عنده؛ أبو الخطاب وابن عقيل، فتعجبوا من فصاحته واطلاعه» .

وكان أول طلب العلم للغزّالي بطوس ثم تحوّل إلى نيسابور في مرافقة جماعة من الطلبة، فلازم إمام الحرمين، وحفظ القرآن، وبرع في الفقه، ثم شرع في التصنيف، وتفوق على أقرانه في ذلك، فأعجب به إمام الحرمين- أبو المعالي الجويني- فاختاره ليكون مساعدا له، وقد لازم الغزالي شيخه الجويني حتى مات سنة (478) .

وبعد وفاة شيخه الجويني؛ خرج الغزّالي إلى المعسكر بالعراق، فاتصل بالوزير نظام الملك إذ كان مجلسه مجمع أهل العلم، وملاذهم. حيث عهد إليه نظام الملك بالتدريس بمدرسته النظامية ببغداد في جمادى الأولى عام (484) ؛ وكان عمره آنذاك ما يقارب الرابعة والثلاثين.

وبقي الغزّالي مدة في بغداد، إلا أنه خرج منها بعد قتل نظام الملك على يد الباطنية سنة 485. ثم تحوّل الغزّالي إلى الحجاز حاجا، وقد استناب أخاه أحمد في التدريس بالنظامية، وبعد الحج دخل دمشق سنة 489. فلبث فيها مدة، معتكفا في مسجد دمشق، ثم ذهب إلى بيت المقدس، ثم ذهب إلى الحج والعمرة في السنة نفسها، عائدا بعد ذلك إلى دمشق مرة ثانية، واختار في هذه المرة عيش التقشف والزهد، واعتزل الناس، وبدأ بتصنيف كتابه (الإحياء) وبقي على ذلك مدة عشر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت