الصفحة 42 من 98

ليست مرادة بالإعطاء. فلا بدّ من حمل اللفظ بعد ذلك على معنى، وإلا لزم تعطيله، فلم يبق إلا أن يريد بالإعطاء؛ إعلامهم بما يليق بجلال اللّه عز وجل، ثم سأل لهم التوفيق إلى العمل بمقتضاه من الإله القادر على ذلك، فقال: «قدّسهم بحقك» .

أي: أنا قد أعلمتهم ما يليق بجلالك- وهذه وظيفة الأنبياء المرسلين- فأرشدهم أنت ووفقهم إلى العمل بمقتضاه فإن هذه درجة/ الإله القادر على خلق الأعمال.

فإن قيل لم لا يجوز أن يكون من جملة المجد الذي أعطي له؛ الاتحاد الذي استحق أن يكون به إلها، وقد دلّ الدليل على عدم إرادته، وأنه ليس معطا «1» ، فيكون غير مراد، وإن كان مندرجا تحت لفظ العموم؟

قلنا: هيهات، هاهنا تسكب العبرات.

وهل الإلهية يمكن إعطاؤها؟!

هذا مما أجمع العقلاء على استحالته. وهل هذه إلا مصادرة على المطلوب من غير إتيان بتيت «2» يعوّل عليه إلا ظواهر؟ وقد حللناها من أيديهم، وأوّلها صاحب شرعهم معتذرا/ إطلاقها ومحترزا عن إرادة حقائقها!. ومثل هذه المعضلة لا تثبت بمجرد الاحتمال، ما لم تبرهن بالبراهين اليقينيّة، لا سيما في شخص وضحت إنسانيته، ثابتة لوازمها وملزوماتها وذاتياتها، من الحيوانية، والنطق، والإعياء، والجوع، والعطش، والنوم، والاجتنان في الرحم، والتألم- في رأيهم- في الصلب، حيث قال:

«إلهي إلهي لم تركتني» «3» .

(1) كذا في الأصل، والصواب رسمه هكذا: [معطّى] .

(2) كذا في الأصل، وفي المطبوع: [بثابت] وقال محققه في الهامش: «في الأصل هكذا «بتيت» وهو لا معنى له، والسياق يوجب علينا ذكر ما أثبتناه، واللّه أعلم».

قلت: السياق لا يوجب ذلك، وما أثبته المحقق خطأ، والصواب ما أثبت في الأصل.

ومعنى «بتيت» : من البتّ أي القطع، ومنه قولهم: البتّة. فيكون معنى الكلام: «من غير إتيان مقطوع به ... » . وانظر: «النهاية في غريب الحديث» (1/ 93) .

(3) انظر: إنجيل مرقس- الإصحاح الخامس عشر- (34) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت