والمشهود له على لسان من أثنى عليه من عظماء تلامذته، بأن الخوارق مصنوعة للّه على يده، بقوله: «إن يسوع النصارى؛ رجل ظهر بينكم بالقوى والآيات التي فعلها/ اللّه على يده» «1» .
وإذا كانت هذه حالته عليه السلام، فكيف يركن العاقل إلى ما لا يعلم حقيقته، مع إمكان علمه، وينبذ المعقول والمنقول حجرة؟!
وأما النسطوري «2» ، فيقول: إن الاتحاد وقع في المشيئة.
وهذا كلام مثبّج يجب تحريره.
فإن عنوا بذلك، أن مشيئة عيسى عليه السلام تابعة لمشيئة الإله في الأحكام الخمسة، لا تباينها في واجب، ولا محظور، ولا مندوب، ولا مكروه، ولا مباح، فهذا ثابت لجميع الأنبياء، بل وللأولياء «3» أيضا، الذين
(1) انظر: أعمال الرسل- الإصحاح الثاني- (22) .
(2) النسطوري: هو نسطور الحكيم الذي ظهر زمن المأمون، وإليه تنسب طائفة النسطورية من فرق النصارى، وهم يقولون: إن اللّه تعالى واحد، والأقانيم ثلاثة وهي غير ذاته، وأن الكلمة اتحدت بجسد المسيح لا بمعنى الامتزاج، أي أشرقت عليه كإشراق الشمس من كوة على بلور. ومنهم من قال: إن كل واحد من الأقانيم الثلاثة هي ناطق موجود، وصرحوا بالتثليث كالملكانية. ومنهم منع ذلك. وقالوا: إن الصلب ورد على الناسوت دون اللاهوت.
انظر: «الملل والنحل» (2/ 251 - وما بعدها) و «الجواب الفسيح» (1/ 80، 235) .
(3) قال الشوكاني رحمه اللّه تعالى: «في الصحاح: والولي ضد العدو. انتهى. والولاية ضد العداوة وأصل الولاية؛ المحبة والتقرب، كما ذكره أهل اللغة، وأصل العداوة البغض والبعد، قال ابن حجر في «فتح الباري» : المراد بولي اللّه العالم باللّه تعالى [المواظب] على طاعته، المخلص في عبادته، انتهى.
وهذا التفسير للولي هو المناسب لمعنى الولي المضاف إلى الرب سبحانه. ويدل على ذلك ما في الآيات القرآنية؛ كقوله سبحانه: أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ [يونس: 62 - 63] .
ثم قال رحمه اللّه: «و أفضل أولياء اللّه؛ هم الأنبياء، وأفضل الأنبياء هم المرسلون، وأفضل الرسل هم أولو العزم؛ نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد. وأفضل أولي العزم؛ نبينا محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم» . ثم قال: «و اعلم أن أولياء اللّه غير الأنبياء ليسوا بمعصومين بل يجوز عليهم ما يجوز على سائر عباد اللّه المؤمنين. لكنهم قد صاروا في رتبة رفيعة ومنزلة علية، فقل أن يقع منهم ما يخالف الصواب وينافي الحق، فإذا وقع ذلك فلا يخرجهم عن كونهم أولياء للّه» .