الصفحة 70 من 98

واللّه عز وجل إذا قيس إحسانه إلى كل شيء «1» ورحمته له، وشفقته عليه، وما جبله عليه من الخير، وما دفعه عنه من الشر، وما بيّنه له مما هو لائق بجلاله، ثم وفّقه للعمل بمقتضاه؛ كان ما يصنعه الوالد بالنسبة إلى هذا تافها حقيرا.

ثم توقير الأنبياء أيضا للّه، وحياؤهم منه، وانقيادهم لأوامره، ووقوفهم عند مناهيه، وإجلالهم له أعظم من صنيع الأنبياء «2» مع آبائهم. فهو لهم أرحم أب، وهم له أبرّ ولد.

فهذا سرّ التجوّز/ في إطلاق [مثل ذلك، فإذا تجوّز في إطلاق] «3» الأب على اللّه؛ كان معناه: أنه راحم له، عطوف عليه.

وإذا تجوّز بإطلاق البنوّة على نفسه، كان معناه أنه موقّر للّه، معظّم له.

وهذا معنى قول عيسى عليه السلام محرّضا على عدم قطع الرجاء، أي؛ أطعتموه في ذلك، صنع معكم ما يصنع الوالد مع ولده. وهذا أيضا معنى قول تلميذه: «فهو من اللّه مولود» .

فانظر إلى سرّ «4» ما وقف عليه الأنبياء، ثم أذن لهم في إطلاقه، معوّلين على فهم من له تحصيل يصرفه عن الخيالات الفاسدة.

وها هم الآن أنفسهم مقيمون على إطلاق ذلك، فإذا رأوا راهبا أو قسّيسا/ قالوا له: يا أبانا، وليس هو أباهم حقيقة، ولكن مرادهم بالإطلاق؛ ما أشرنا إليه وهو أنه ينزّلونه في الشفقة منزلة الأب، وينزلون أنفسهم في توقيره منزلة الأبناء.

وقد صرّح داود عليه السلام بما أشرنا إليه في مزاميره، فقال: «كما يترأف الأب على بنيه، كذلك يترأف الربّ على خائفيه» .

فقد ثبت بما ذكرناه أن إطلاق البنوّة عليه، غير مثبت خصوصيّة يقع بها تميّز.

(1) في المطبوع: [نبي] .

(2) في المطبوع: [الأبناء] .

(3) ما بين المعقوفتين مثبت بالهامش.

(4) سقطت من المطبوع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت