قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا} .
وقد جاء في سبب نزول هذه الآية ما أورده ابن جرير في التفسير (18/ 92) بسنده عن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال:"كنت يوما أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجت من عنده، فلقيني قوم من أهل الكتاب، فقالوا: نريد أن نسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فاستأذن لنا عليه، فدخلت عليه، فأخبرته، فقال:"ما لي وما لهم؟ ما لي علم إلا ما علمني الله"، ثم قال:"اسكب لي ماء"، فتوضأ ثم صلى، قال: فما فرغ حتى عرفت السرور في وجهه، ثم قال:"أدخلهم عليّ، ومن رأيت من أصحابي"فدخلوا فقاموا بين يديه، فقال:"إن شئتم سألتم فأخبرتكم عما تجدونه في كتابكم مكتوبا، وإن شئتم أخبرتكم"، قالوا: بلى أخبرنا، قال:"جئتم تسألوني عن ذي القرنين، وما تجدونه في كتابكم: كان شابا من الروم، فجاء فبنى مدينة مصر الإسكندرية، فلما فرغ جاءه ملك فعلا به في السماء ..."ثم ساق الحديث بطوله. والحديث ضعيف كما ذكر ذلك ابن حجر في (الفتح 10/ 129) وكذلك الألباني في (السلسلة الضعيفة 3/ 197) ."
وقد اختلف المفسرون في ذي القرنين هذا: هل هو من الملائكة أم من الأنبياء أم من ملوك الأرض. وأرجح تلك الأقوال أنه ملك صالح وولي من أولياء الله، وعليه أكثر العلماء كما قال ابن حجر (الفتح 6/ 383) ، واختاره الشيخ السعدي في تفسيره (5/ 74) .
والملاحظ أن الجواب الذي أجيب به اليهود حين سألوا عن ذي القرنين كان جوابًا طويلًا مفصلًا مع أنهم إنما سألوا ذلك تعنتًا وتعجيزًا، فما هو السبب الذي جاء لأجله الجواب بهذه الصورة؟
أجاب عن ذلك الشيخ عطية سالم - رحمه الله - في كتابه (السؤال والجواب في آيات الكتاب ص 228) بقوله عن خبر ذي القرنين:"كأنه كنز من كنوز الأمم السابقة يُكشف، أو لسان من ألسنة التاريخ يتكلم، فتفتح له عيون عمياء، وتصغي إليه آذان صمَّاء، يشهد ما جاء به - صلى الله عليه وسلم - من وحي يتلى، وذكر يُسمع، ثم جاء ولأوّل وهلة معلنًا أنَّ ما وصل إليه هذا الإنسان الذي يُكبِرونه ويتعاظمون أفعاله، إنما وصل إليه بتمكين من الله إياه، وبما أعطاه الله من أسباب ومقومات".