الصفحة 19 من 25

أَنَّهُ قَدْ غَضِبَ عَلَيْهِمَا، فَقَامَا فَاسْتَقْبَلَتْهُمَا هَدِيَّةٌ مِنْ لَبَنٍ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي أَثَرِهِمَا فَسَقَاهُمَا فَعَلِمَا أَنَّهُ لَمْ يَغْضَبْ عَلَيْهِمَا.

والملاحظ في جواب السؤال عن المحيض أنه قدم العلة على الحكم؛ وذلك من أجل أن تنفر النفوس من هذا الفعل قبل أن يُعلم الحكم به، فتكون بذلك مهيَّأة لقبول الحكم كما ذكر ذلك الشيخ ابن عثيمين في (تفسير سورة البقرة ص 45) .

وعند التأمل في لفظ {أَذًى} نلحظ براعة اللفظ القرآني حيث عبر عن الحيض بأنه {أَذًى} . والأذى عند بعض المفسرين يعني: القذارة والنتن، وعند بعضهم: الدم (تفسير الطبري 4/ 375) ، ولا شك أن كلا الأمرين أذى للرجل أو للمرأة فيما لو وقع جماع حال الحيض.

ومما يلاحظ في جواب هذا السؤال أيضًا حسن أسلوب القرآن؛ لأنه جمع في هذه الآية بين التطهر المعنوي الباطني، والتطهر الحسيّ الظاهري؛ لقوله تعالى: {يُحِبّ التّوّابِينَ} وهي طهارة باطنة، وقوله تعالى: {وَيُحِبّ الْمُتَطَهّرِينَ} وهي طهارة ظاهرة، قاله الشيخ العثيمين (تفسير البقرة ص 66) .

قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} .

وقد جاء في سبب نزول الآية ما رواه الحاكم في المستدرك وصحح إسناده عن أبي رافع قال:"أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتل الكلاب فقال الناس: يا رسول الله، ما أحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فأنزل الله {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات، وما علمتم من الجوارح مكلبين ... } ."

وهذه الآية الكريمة التي جاءت جوابًا لسؤال عن الحلال من الأطعمة جاءت في غاية الإعجاز؛ حيث اشتملت على عدد من المعاني في عبارات موجزة بديعة النظم.

والسؤال الذي أورده الله حكاية عنهم فيه شمول وعموم حيث ورد بصيغة من صيغ العموم {مَاذَا} ، وجاء الجواب كذلك عامًا بجنس العموم {الطّيّبَاتُ} ، فهو أشمل سؤال وأعم جواب بالنسبة لما تقدم من الأسئلة التي كانت عن الأهلة أو الشهر الحرام أو المحيض، وبهذا الجواب عُرف الحلال من الحرام، فالحلال هو كل الطيبات، وبمفهوم المخالفة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت