قال تعالى {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} .
وقد جاء في سبب نزول هذه الآية ما رواه البيهقي والطبراني عن جندب بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رهطا وَبَعَثَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بن الْجَرَّاحِ أَوْ عُبَيْدَةَ، فَلَمَّا ذَهَبَ لِيَنْطَلِقَ بَكَى صُبَابَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَلَسَ فَبَعَثَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بن جَحْشٍ مَكَانَهُ، وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا وَأَمَرَهُ أَنْ لا يَقْرَأَ الْكِتَابَ حَتَّى يَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا، وَقَالَ:"لا تُكْرِهَنَّ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ عَلَى الْمَسِيرِ مَعَكَ"، فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ اسْتَرْجَعَ، ثُمَّ قَالَ: سَمْعٌ وَطَاعَةٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، فَخَبَّرَهُمُ الْخَبَرَ وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْكِتَابَ، فَرَجَعَ رَجُلانِ وَمَضَى بَقِيَّتُهُمْ، فَلَقُوا ابْنَ الْحَضْرَمِيِّ فَقَتَلُوهُ، وَلَمْ يَدْرُوا أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ رَجَبٍ أَوْ جُمَادَى، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ: قَتَلْتُمْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} .
وقد جاء الجواب للمشركين وكلِّ من استعظم القتال في الشهر الحرام مفحمًا قويَّ الحجة يقارن بين أمرين: القتال في الشهر الحرام، وهو أمر عظيم بلا شك، وفتنة المسلمين وإخراجهم من ديارهم وإيذائهم وهذا أعظم إثمًا وأشدُّ جرمًا. فإذا كان الأمر كذلك فما بال الإنكار على القتال في الشهر الحرام وغض الطرف عما هو سبب للقتال فيه وهو فتنة المسلمين وإلحاق الضرر بهم؟!
يقول سيد قطب - رحمه الله- (في ظلال القرآن 1/ 205) :"إنما هم المشركون هم الذين وقع منهم الصد عن سبيل الله، والكفر به وبالمسجد الحرام، لقد صنعوا كل كبيرة لصد الناس عن سبيل الله ولقد كفروا بالله وجعلوا الناس يكفرون، ولقد كفروا بالمسجد الحرام، انتهكوا حرمته؛ فآذوا المسلمين فيه، وفتنوهم عن دينهم طوال ثلاثة عشر عامًا قبل الهجرة، وأخرجوا أهله منه وهو الحرم الذي جعله الله آمنًا، فلم يأخذوا بحرمته ولم يحترموا قدسيته، وإخراج أهله منه أكبر عند الله من القتال في الشهر الحرام، وفتنة الناس عن دينهم أكبر عند الله من القتل. وقد ارتكب المشركون هاتين الكبيرتين فسقطت حجتهم في التحرز بحرمة البيت الحرام وحرمة الشهر الحرام".