الصفحة 10 من 17

المسألة الثامنة عشر:

وما يلحق بالكرامة الفراسة الصادقة، وهي راجعة في الحقيقة إلى غالب الظن، فَيُعَوِّدُ الله تعالى المُكرَم بها المطابقةَ، فلا يخلقها له إلا فيما سبق به القدر كإجابة الدعوة، ويطلق الله لسانه بالدعاء فيما سبق القدر به، فتوفيق الله تعالى للدعاء فيما سبق القدر به هو كرامة وكذلك الفراسة الصادقة، وليست الفراسة بعلم الغيب، ولا يقطع صاحبها بها لأن أحد الجائزين إذا غاب عن الحس والضرورة لا يُعلم إلا بالخبر، ولا خبرَ، فلا قطعَ، والقطعُ للنَّبِيِّ لأن باب خبره مفتوح للوحي.

وصل ونحن بإشبيلية يهودي من طُلَيْطِلَةَ فلسفيٌ، وذكر أنه ما أتى به من طُلَيْطِلَةَ مسيرة عشرة أيام أو أكثر من ذلك إلا مسألة عجز الناس عن الجواب فيها؛ فاتفق الاجتماع وحضر الأعيان والأشياخ والكتاب ومن يدعي العلم، فقال اليهودي:"أتقولون إن البارئ تعالى قديم؟"، قلنا:"نعم"، قال:"وسمعه قديم؟"، قلنا:"نعم"، قال:"فبماذا تعلق سمعه تعالى في الأزل قبل خلق الخلق وأصواتهم وكلامهم؟"، قلت له:"تعلق سمعه القديم بكلامه القديم"، فبادر اليهوديُ وقَبَّل يدي، فقلت له:"وأزيدك أختَها، وهي أن رؤية البارئ تعالى قديمة أيضا تعلقت في الأزل قبل خلق الخلق بوجوده الأزلي".

يظن كثير من الناس أن السّيف يقطع، والنّار تحرق، والطّعام يشبع، وهذه نسبة الأفعال إلى الجماد، ومن نسب الفعل إلى الجماد فهو عَابِدُ وَثَنٍ، ومن نسبه إلى حَيٍّ حادثٍ فهو قَدَري، فقولنا:"أحرقت النار، وأشبع الطعام وقطع السيف"، وإنما هو على الحذف مثل:"تحرك الماء، وسقط الحائط"، والحائط جماد، ومحال وقوع الفعل منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت