قلت له في الجواب: قال القاضي أبو بكر بن الطيب -وهو لسان الملة وإمام أهل السنة- وقال معه بذلك جميع أهل الحق: إنه من صلى صلاة أو عمل عملا يتقرب به إلى الله وهو غير عارف بالله فإنه ما استقبل بعبادته رب العالمين؛ لأنه يظن ظنا وأن الظن لا يغني من الحق؛ حتى قال القاضي في بعض تواليفه فَعَلَّه استقبل بعبادته زيدا أو عمروًا أو ما يلقاه في الطرقات لأنه لم يعلم، وقد قال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا اللهُ} [محمد: 19] فمن لم يتصف بالعلم اتصف بالجهل أو بضد من أضداد العلم على رغم أنفه، لأن المحل لا يعرى فهو يجهل ويظن أنه يعلم وليس كذلك، وهنا تلا الإمام أبو الحسن الأشعري صاحب مذهب أهل الحق: {وَمَا يُؤمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [المائدة: 41] ومنه الحديث الصحيح في المقبور: سمعت الناس يقولون شيئا فقلته، حتى العلماء: من دعا الله سبحانه وهو غير عارف به فما دعاه قط؛ لأن الذي تخيل في وهمه وصوره بجهله ليس هو الرب تعالى، ولذلك قال جعفر الصادق رضي الله عنه حين سأله الناس: ما لنا ندعو فلا يستجاب لنا؟ فقال: لأنكم دعوتم من لا تعرفون، فقلت: معنى هذا أن غير العارف إنما يصوره في نفسه صورة أو يضرب مثالا أو يُشَبِّهُ فيدعو لذلك المثال، والله سبحانه على خلاف ذلك.
المسألة الأولى:
أجمعت الأئمة على وجوب معرفة الله تعالى وعليه دلّ الكتاب والسنة؛ إذ لو كانت ضرورية لما وقع التكليف بها، لأن الضروري لا يتكلف به بإجماع, ولو عرف ضرورة لم يبق أحد من أهل الضرورة إلا وعرفه, وما آمن إلا قليل.