طرد الشاهد غائبا عند أهل الأصول قاعدة عظيمة، وذلك لا يكون إلا بشروطه، فمن قال: أطرد الشاهد غائبا من غير رابط يجمع بينهما فقد ألحد في دين الله، لأنه يقول لم أعرف موجودا في الشاهد إلا في جهة، والبارئ تعالى موجود فهو في جهة، فهذا كفر لأنه طرد من غير شرط.
ومن قال: أطرُد، قال: الفعل هنا في الشاهد يدل على وجود الفاعل، وليس أطرد هذا فيلزمه التعطيل، لأنه يقول: إن الفاعل غائبا ليس بموجود، وهو كفر، فلا بد من الطرد بأربعة شروط عقلية: الشرط، والدليل، والعلة، والحقيقة.
قال خطيب بلدٍ بالمغرب:"إن الولي محال أن يعصي الله"، وقال خصمه ممن يدعي علم الباطن:"إن الولي يعصي الله تعالى"، فاجتمع الناس وأتوا بهما إليّ ورضيا بحكمي في المسألة وقيل لي: من أخطأ من هؤلاء ومن أصاب؟
فقلت لهم: كلاهما قد أخطأ الصواب، وذلك أن الخطيب قد ألحق الولي بمنزلة الأنبياء في العصمة، والخصم الآخر قد حكم أن الولي يعصي في حالة الولاية، وكلاهما على خطأ لأن الله تعالى لا يوالي الفاسقين، فخرج من المسألة إن الولي يجوز أن يعصي الله، فإن وقع منه هذا الجائز لم يطلق حينئذ عليه أنه ولي.
المسألة السادسة عشر:
افترق الناس في الكسب والجبر على ثلاث طوائف، فالجبرية قالت في أفعالها كلها وحركاتها إنها ضرورية، ونفوا القدرة والإرادة على أنفسهم وجعلوا أنفسهم كحكم الجماد، وكالميت بين يدي الغاسل، وعطلوا الشريعة والحدود إذا لا فعل لهم على زعمهم.
والطائفة الثانية: القدرية، قالوا: إنهم يخلقون أفعالهم، فجعلوا مع الله خالقين على التكثير.