الصفحة 12 من 17

المسألة الثالثة والعشرون:

سمعت بعض الجهال يقول:"نحب الله ويحبني الله"، فقلت له:"كما يحب الناس بعضهم بعضا؟"قال:"نعم"، فقلت له:"أنت رجل جاهل، وإنما معنى {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُونَهُ} [المائدة: 54] : يريد ثوابهم وإكرامهم؛ ويريدون طاعتَه وعبادتَه وثوابَه وإكرامَه، لأن البارئ تعالى محالٌ أن يميل أو يمال إليه، تعالى عن ذلك، وكذلك بغضه إنما هو إرادةُ لعنة العبد وهَوَانُِهُ، لأن البارئ تعالى يستحيل أن يتغيّر عن ذلك، فترجع محبته أو بغضه إلى إرادة قديمة فخص بها كرامة من أحب ونقمة من أَبغَضَ، هذا هو المعنى".

قالت العامة والجهلة:"ما يضيع الله من خلق"،وهذا لفظ لم يرد في الشرع وبقي المعنى فاسدا أيضا، فإنهم يعنون به:"ما يترك الله أحدا دون رزق"، وجميع أهل السنة على الله تعالى لا يجب عليه شيء فلا يجب أن يرزق ولا أن يحرم، ولا يبتلي، ولا أن يعافي، وإنما يفعل في ملكه ما يريد؛ وإلا فكم من نفس تموت جوعًا وعطشًا ومرضًا وسيفًا وحرقًا وهم من خلق الله فأين قول الجاهلين؟.

إذا أردت أن تُكَفِّرَ القَدَري القائل بخلق القران، فقل له:"هل الرب سبحانه على صفة المتكلم والآمر والناهي والمكلِّف لعباده أم لا؟"، فإن قال:"لا"؛ كفر بإجماع الأمة، وإن قال:"نعم"،كفر حيث جعل من الرب سبحانه مخلوقا لأن كل متصف بمخلوق مخلوق.

لما بعث رسول الله معاذ إلى اليمن فقال له: (( إنك تقدم على قوم أهل الكتاب؛ فليكن أول ما تدعوهم إليه معرفة الله ... إلى قوله فإذا عرفوا الله ) )، وفي حديث آخر: (( من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة ) )، وقال للرجل الآخر: (( هل عرفت الرب؟ ) )، وقال لآخر: (( ما فعلت في غرائب العلم؟ ) )وهي معرفة الرب، فدل ذلك كله على التَّهَمُّمِ بمعرفة الله تعالى وهي الإيمان أو شرط في الإيمان، فمن أنكر المعرفة فقد أنكر الإيمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت