الصفحة 3 من 17

وشي آخر لو عُرِف ضرورة لم يكن على معرفته ثواب؛ إذ الضروري لا ثواب عليه، مثال ذلك أن علمي بأن الاثنين أكثر من الواحد، وأن الضدين لا يجتمعان، وأني موجود, هذا كله ضروري لا ثواب عليه، ولا ثواب أعظم من ثواب معرفة الله سبحانه؛ فعلم بذلك أن معرفته تعالى كسبية نظرية، وأولها ما يجب ويجوز ويستحيل في حقه سبحانه, وقال قوم: معرفة ذاته تعالى وصفاته وأفعاله، فالعبارات مختلفة والمعنى واحد.

المسألة الثانية:

لما أجمع أهل السنة على أن النظر هو الموصل إلى المعرفة المأمور بها؛ قال القائل: النظر فيما ذا قلنا؟ قلنا: في حدوث العالم، وهو معنى قوله تعالى: {أَوَلَم ْيَنْظُروا في مَلَكُوتِ الْسَّمَوَاتِِ وَالأَرْضِ} حتى قال: {أَفَلَا يَتَدَّبَرُونَ الْقُرْآنَ} [محمد: 24] ، ومن هذا كثير فإذا أجلت فكرك في المخلوقات وتغيرها وانتقالها من حال إلى حال نادتك بلسان حالها: لي صانع أوجدني إذ لم أوجِد نفسي ولا أوجدني حادث مثلي لاستحالة ذلك، لما يؤدي إليه من التسلسل, ومنه قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لِا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمُ} [الإسراء: 44] أي بلسان حاله فلسان الحال أبلغ من لسان المقال، قال بعض أهل التوحيد:

آثَاره تُنبيك عن سلطانه ... * * * ... حتى كأنك بالعيان تراه

فانظر بعقلك هل ترى من آية ... * * * ... إلا وتشهَد بالذي قلناه

المسألة الثالثة:

إن قلت ما يجب الله؟ قلت لك: يجب له الوجود، والقدم، والبقاء, والحياة, والعلم, والقدرة, والإرادة, والسمع, والبصر, والكلام, والإدراكات، ويستحيل عليه كل ضد من أضداد هذه الصفات لأنها صفات الكمال, وأضدادها نقص، وذلك محال لوجوب صفات الكمال له سبحانه؛ فتضمن ما يجب له تعالى من صفات الكمال نفيَ ما يستحيل عليه من أضدادها، ونفي الجواز، فيرجع إلى أفعاله سبحانه فجائز أن يخلق وجائز ألا يخلق، فلا يجب عليه سبحانه شيء أصلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت