فهرس الكتاب
المسألة الثامنة:
قولهم:"سبحان من لا يعلم ما هو إلا هو"فظاهر هذا أنه لا يعرف الله وكيف يكون ذلك والأنبياء والملائكة والعلماء قد عرفوه: {شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًَا بِالْقِسْطِ} [آل عمران:18] فمن شهد لهم أنهم شهدوا بما شهد به لنفسه، لأن الشهادة هي العلم: {وَمَا شَهِدْنَا إِلا بِمَا عَلِمْنَا} [يوسف:18] ، فمن قال لا يعلم الله إلا الله فقد أخرج الملائكة و النبيين وأولي العلم عن أن يكونوا عارفين بالله وكيف يكون ذلك وهو تعالى قد شهد لهم أنهم شهدوا له بما شهد به لنفسه؟.
وإن أرادوا بقولهم:"ما هو إلا هو"الماهية فإطلاق ذلك ممتنع شرعا والجنسية والنوعية محال في حق الله تعالى فكان ذلك جهلا من قائله.
المسألة التاسعة:
إن قال قائل:"ماذا أراد الله من خلقه هل الطاعة أو المعصية؟"و"أن يؤمنوا أو يكفروا؟"، قلنا: أراد منهم الذي وقع منهم، تعالى أن يقع في ملكه ما لا يريد ولا خالق سواه، ولو كان لا يريد إلا الإيمان خاصة، لكان له تعالى ضعفا لأن الغالبَ على الخلق الكفرُ والمعاصي؛ وما المؤمنون في الكافرين إلا كالشعرة البيضاء في البعير الأسود، قيل لابن عباس رضي الله عنه:"ماذا أراد الله من الخلق؟ فقال: أراد منهم ما وقع منهم فمراد الله من خلقه ما هم عليه، أإله مع الله؟."
قال شيخي رحمه الله: حضرت جنازة حفيلة، فقام المنذر على القبر يخطب فقال في جملة كلامه:"سبحان من لم يزل موجودا، وسبحان الله من لم يزل معبودا"؛ قال: فسمعت شيخي يقول سرا:"آمنت بالأولى وكفرت بالثانية"، فلما افترق الجمع سألته عن ذلك فقال لي:"أما لم يزل موجودا فنعم، وأما لم يزل معبودا فَقِدَمُ العَالَم، ذَلك كُفرٌ".