ثانيًا: ترك الحكم بشرعة الإسلام والحكم بالقوانين الوضعية كفر بواح ...
الحاكم الذي يحكم بالقوانين والوضعية كافر مرتد، {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [53] .
1)يقول الدكتور محمد نعيم ياسين .. تحت عنوان نواقض الإيمان:(لذا كان توحيد الله في عبادته موضوع الامتحان للعباد في هذه الحياة. قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [54] .
ومن هنا يتضح أن شهادة أن لا إله إلا الله يناقضها أمران:
الأول: نفي استحقاق الخالق لأن يعبد بأي نوع من أنواع العبادة.
الثاني: إثبات هذا الاستحقاق لأي مخلوق من مخلوقات الله سبحانه وتعالى، فكل قول أو تصرف أو اعتقاد يتضمن أحد هذين الأمرين يدخل صاحبه في الكفر والردة، ويكفر من ادعى أن له الحق في تشريع ما لم يأذن به الله بسبب ما أوتي من السلطان والحكم، فيدعي أنه له الحق في تحليل الحرام، وتحريم الحلال، ومن ذلك وضع القوانين والأحكام التي تبيح الزنا والربا وكشف العورات أو تغيير ما جعل الله لها من العقوبات المحددة في كتاب الله أو في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو تغيير المقادير الشرعية في الزكاة والمواريث والكفارات والعبادات وغيرها مما قدره الشارع في الكتاب والسنة.
ويدخل في الكفر من يؤمن بهذه الطواغيت - ويعترف لها بما ادعته من حقوق الألوهية .. قال تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [55] .
فإذا قام حاكم ينتحل الحق في إصدار تشريعات مناقضة لما هو ثابت في الكتاب والسنة، يحلل ما حرم الله أو يحرم ما أحله سبحانه كفر وارتد عن دين الله القويم لأنه يعتقد بذلك أنه يسعه الخروج عن شريعة الإسلام بما شرع للناس ومن اعتقد ذلك كان من الكافرين) [56] .
2)يقول تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [57] .
قال الإمام ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: (ينكر الله على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات يضعونها بآرائهم وأهوائهم وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيزخان الذي وضع لهم"الياسق"وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، منها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه فصارت في بنيه شرعًا متبعًا يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم سواه لا في قليل ولا كثير) [58] .
3)وأورد الإمام ابن كثير نصوصا من هذا القانون الوضعي - الياسق - الذي ابتدعه جنكيزخان في القرن السابع الهجري وحكم به المسلمين ثم حكم به أبناؤه [59] الذين أسلموا من بعده وأوضح ابن كثير المخالفات الكثيرة في أحكام الياسق في الحدود والأموال والمعاملات التي تخالف حكم الله ثم تعقب على ذلك قوله: (فمن ترك الشرع المحكم، المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين) [60] .
4)يقول الشيخ"أحمد شاكر"في تعليقه على تفسير ابن كثير الآية: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} [61] : (أفيجوز مع هذا في شرع الله أن يحكم المسلمون في بلادهم بتشريع مقتبس من تشريعات أوروبا الوثنية الملحدة لا يبالي واضعه أوافق شرعة الإسلام أم خالفها؟ إن المسلمين لم يبلوا بهذا قط فيما نعلم من تاريخهم إلا في ذلك العهد - عهد التتار - ثم كان المسلمون الآن أسوأ حالا وأشد ظلما وظلاما منهم من أكثر لأن الأمم الإسلامية الآن تكاد تندمج في هذه القوانين المخالفة للشريعة والتي هي أشبه شيء بذلك الياسق، ثم يقول:(إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس هي كفر بواح لا خفاء فيه ولا مداورة ولا عذر لأحد ممن ينسب للإسلام كائنا من كان في العمل أو الخضوع لها أو إقرارها فليحذر امرؤ نفسه وكل امرئ حسيب نفسه) [62] .
5)ونفس المعنى يؤكده الشيخ يوسف العلم في تعليقه على تفسير ابن كثير فيقول: (ألا يصور هذا واقع ديار الإٍسلام اليوم فكم من ياسق فيها وكم من جنكيزخان حيث وضع كل قائد شرعة واتخذ كل بلد ميثاقا يحكم إليه بدل القرآن أليس هذا هو الضلال بعينه الذي أشار إليه ابن كثير رحمه الله) [63] .
6)وقال الشيخ حامد الفقي رحمه الله في تعليقه على قول ابن كثير السابق: (ومثل هذا وشر منه من اتخذ من كلام الفرنجة يتحاكمون إليها في الدماء والفروج والأموال ويقدمها على ما علم وتبين له من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فهو بلا شك كافر مرتد إذا أصر عليها ولم يرجع إلى الحكم بما أنزل الله، ولا ينفعه أي اسم تسمى به ولا أي عمل من ظواهر أعمال الصلاة والصيام والحج ونحوها) [64] .
7)وقد نقل الإجماع أيضا الإمام اسحق بن راهويه فقال رحمه الله: (أجمع المسلمون أن من سب الله ورسوله أو دفع شيئا مما أنزل الله أنه كافر مرتد بذلك وإن كان مقرا بكل ما أنزل الله) [65] .
8)يقول المستشار عبد القادر عودة رحمه الله: (ومن الأمثلة الظاهرة على الكفر في عصرنا الحاضر الامتناع عن الحكم بالشريعة الإسلامية وتطبيق القوانين الوضعية بدلا منها، والأصل في الإسلام أن الحكم بما أنزل الله واجب، وأن الحكم بغير ما أنزل الله محرم) [66] .
ونختم هذه الأدلة القاطعة بمسك الختام:
قول فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور عمر عبد الرحمن؛ أستاذ التفسير بكلية أصول الدين - جامعة الأزهر - في كلمته التاريخية أمام محكمة أمن الدولة العليا سنة 1983 حيث حوكم (كأمير لتنظيم الجهاد، والمتهم الأول في القضية) [67] يقول فضيلته: ( ... وبعد فإن الحكم بالقوانين المستوردة من دول الكفر والتي وضعها بعض الرجال القانون في البلاد الإسلامية، ولا سيما في المواد التي هي صريحة في مخالفة الكتاب والسنة، كفر لا ريب .. وضلال لا يرقى إليه شك، فإباحة الربا وممارسة الزنا، وإلغاء الحد على شارب الخمر والزاني والسارق والمحارب ونحو ذلك، وكذا يكفر من يتحاكم إلى ذلك القانون راضيا به، فلينتبه المسلمون ويراجعوا أنفسهم ويحاسبوها على هذه المخالفات الصريحة وإعلانهم لفصل الشريعة عن الحكم والسياسة وأنها تختص بالأحوال الشخصية فقط! فإن هذا كفر لا ريب فيه، بل يجتمع في هذا الكلام كفران فصل الدين عن السياسة كفر، وتشريع ما لم ينزل به الله سلطانا كفر آخر ... ) .
(53) القرآن الكريم،"سورة النساء،"الآية65.
(54) القرآن الكريم،"سورة الذاريات،"الآية 56.
(55) القرآن الكريم،"سورة البقرة،"الآية256.
(56) محمد نعيم ياسين، كتاب الإيمان: أركانه حقيقته نواقصه، نقلا عن: محمد بن عبد الوهاب، ونواقض الإسلام.
(57) القرآن الكريم،"سورة النساء،"الآية 50
(58) تفسير ابن كثير، ج2، ص 67.
(59) أفتى علماء الإسلام بكفر التتار ووجوب قتالهم بسبب كونهم يحكمون المسلمين بغير ما أنزل الله وهذا الحكم فيهم لم يتغير بعد أن أعلن التتار إسلامهم واستمروا على الحكم بالياسق (يراجع تفاصيل ذلك في بحث الطائفة الممتنعة - الجماعة الإٍسلامية) .
(60) ابن كثير، البداية والنهاية، ص218 الفكر العربي.
(61) القرآن الكريم،"سورة المائدة"الآية50.
(62) أحمد شاكر، عمدة التفاسير، سورة المائدة، ج4ص171، توفي سنة 1958.
(63) إسماعيل الكيلاني، فصل الدين عن الدولة، ص234.
(64) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، ص 396.
(65) لابن تيميه، الصارم المسلول على شاتم الرسول.
(66) عبد القادرة عودة، التشريع الجنائي، ج2، ص709، وحكم عليه بالإعدام سنة 1954.
(67) القضية المشهورة - بقضية الجهاد رقم 462/ 81 حصر أمن دولة عليا- أكبر قضية في تاريخ القضاء .. حيث حوكم ثلاثمائة واثنان (302) متهما على رأسهم فضيلة الشيخ الدكتور عمر عبد الرحمن بتهمة تأسيس تنظيم سري مسلح لقب الحكم في البلاد، والقيام بثورة إسلامية بغرض إقامة دولة إسلامية .. وعقدت المحاكمة من تاريخ 4/ 12/1982حتى 30/ 9/1984م.