ومن أساليب البرهان في القرآن الكريم أيضًا برهان التناقض Contradiction: وهذا الأسلوب هو تطبيق القانون (عدم التناقض) في المنطق الذي ينص على عدم اجتماع الشيء ونقيضه [1] فلا يمكن أن نقول إن الكون فاسد في نظامه وغير فاسد في وقت واحد.
ومن أمثلة هذا الأسلوب في القرآن الكريم قوله تعالى:
{ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [2] فلا يمكن أن يكون الكون منقسمًا وغير منقسم أو فاسدًا وغير فاسد أو غير منتظم منظم في آن واحد وحيث أنه غير فاسد وهو منتظم إذًا الله واحد لا شريك له [3] .
تبرهن الآيات السابقة على نفي إدعاء المشركين بأن لله ولدًا وهذه القضية من القضايا الكبرى في ميدان العقيدة ألا وهي قضية التوحيد أثبتها القرآن عن طريق نفي نقيضها وهو الشرك من خلال مشاهد الإنسان في الكون واستقرار نظامه وعدم وجود نزاع يذكر للتصرف في شئونه.
ومن مظاهر الإعجاز في هذا البرهان أن النفي جاء في بداية الآيات (البرهان) مرة ثم تكرر مرة أخرى للتأكيد عليه كما أن العلاقة بين العالم العلوي (الغيب) والعالم السفلي (الشهادة) علاقة ربط تسير بوحدة واحدة.
كما أن هناك علاقة معينة بين اتساق نظام الكون والخالق سبحانه وتعالى وقد سمي المتكلمون الدليل على هذه العلاقة بدليل التمانع [4] أي أنه لو فرض صانعان فأكد وأراد واحد تحريك جسم والآخر أراد سكونه فإن لم يحصل مراد كل واحد فهما كانا عاجزين وهذا تناقض كما أن اجتماع مراد يهما ممتنع للتضاد وعليه فالتعدد محال وإن حصل مراد أحدهما دون الآخر كان الغالب وهذا تناقض مع كونه إلهًا. [5]
والبرهان نفسه في الآيات يتضمن برهان الوحدانية (Uniqueness) حيث بينت الآيات وجود إله واحد ثم أثبتت في المرة الثانية عدم وجود أكثر من واحد لتحقق مواصفات النظام الكوني السليم. وهذا النمط يستخدم في الرياضيات الآن فعندما نريد إثبات وجود صفر
(1) علي عبد المعطي محمد. المنطق ومناهج البحث العلمي 1977، ص 37 - 38
(2) سورة المؤمنون آية 91 - 92
(3) عبد العظيم إبراهيم المطعني. خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية. رسالة دكتوراه منشورة، جامعة الأزهر، كلية اللغة العربية، جـ 1، 19413 هـ - 1992، ص 437
(4) ابن كثير مرجع سابق، جـ 3، ص 262
(5) فخر الدين الرازي. التفسير الكبير