الصفحة 29 من 38

تبين هذه الآيات مثلًا ضربه الله تعالى للمشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله يرجون نصرهم ورزقهم ويتمسكون بهم في الشدائد [1] وبرهنت الآيات على ضعف هذه الآلهة والخطأ في فهم المشركين لقوة هذه الآلهة وسلطانها [2]

لقد انتقل البرهان من مقومات معروفة وواضحة إلى نتيجة حتمية مرتبطة بالمقدمات، فمن الضعف الوهن الذي تتصف به خيوط بيت العنكبوت فاتخذت الآيات صفة لقوى الحكم والسلطان والمال وهي القوى التي تخدع الناس في ظاهرها فتنسيهم قوة الله الحقيقية ولا يدرك الحقيقة إلا العاقلون.

ومما يظهره البرهان السابق من دلائل الإعجاز القرآني هنا اتخاذ صفة العمومية والشمول لكل القوى المضللة ولكل الناس المضللين وقد جاءت لتقوية البرهان وشموله قطاعًا كبيرًا من الناس تمشي مع الوقائع الذي نلاحظه من اغترار عدد كبير من الناس بالقوى الواهية الضعيفة.

ففي البرهان الرياضي يأتي المثال مخصصًا بدقة للموضوع وليس بصفة الشمول والعمومية. فمثلًا عندما نقول أن (س ... - س) يقبل القسمة على (ن) لجميع قيم ن، س الصحيحة يكفي أن نعطي مثالًا مثل (2 - 2) لا يقبل القسمة على 9 وهو مثال مخصص بدقة للموقف الرياضي المطروح.

وهنا ندرك مدى اتساع المثل في البرهان القرآني ومدى محدوديته في الرياضيات.

لقد بين القرآن الكريم أن البرهان بالتجربة الحسية هو برهان يقيني وأن التجربة الحسية هي تجربة برهانيه لم تتطرق إليها الرياضيات او العلوم الأخرى، قال تعالى: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [3]

تناول الآيات سر الحياة والموت وهي تمثل مع ما قبلها من الآيات جانبًا من جوانب التصور الصحيح لحقائق الوجود في ضمير المسلم وإدراكه، الأمر الذي لا بد منه للإقبال على الحياة ببصيرة [4] وقد وضحت الآيات هذا الإدراك بالبرهان بأساليب مختلفة منها ما تعرضه الآيات الحالية.

(1) ابن كثير تفسير القرآن الكريم العظيم، جـ 3، ص 428

(2) سيد قطب في ظلال القرآن، جـ 5، ص 2736

(3) سورة البقرة آية (259)

(4) سيد قطب، في ظلال القرآن ص 296، 297

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت