وتقدير ذلك في الآيات هو ما يلي:
حيث أن الخلق لم يتشابه عليهم إذا لا يوجد إلا خلق واحد هو خلق الله سبحانه أي نفي تشابه الخلق يؤدي إلى إثبات الخلق لله سبحانه فهو إله وإذا ملك أي إله من الآلهة نفعًا أو ضررًا فهو إله وحيث أنه لم يحدث ذلك فهو ليس إلهًا.
وإذا تساوت الظلمات والنور تساوى الشرك والإيمان وحيث أن النور والظلمات لم يتساويا فالشرك لا يتساوى مع الإيمان.
ويمكن إيضاح الإعجاز في الآيات السابقة بما يلي:
فبتأمل البرهان الرياضي السابق كمثال على عكس المعكوس نرى أن البرهان سار بخطوات استنباطية وعلاقة منطقية ربطت بين المقدمة والنتيجة حيث جاءت النتيجة في آخر البرهان، أما البرهان القرآني فالنتيجة ظهرت واتضحت من بداية البرهان حتى نهايته وليس في نهايته فقط.
كما أن البرهان بسلسلة من الفروض كذلك تظهر نتيجته أيضًا في النهاية حيث يسير من ... أ ... إلى ... ب ... إلى جـ ... إلى ... د ... إلى ... س (النتيجة) أما في البرهان القرآني فقد جاءت النتيجة في كل عبارة تأكيدًا على وحدانية الله سبحانه وتعالى.
وهناك مظاهر أخرى للإعجاز القرآني تتضح من قوة العلاقة المنطقية بين المقدمات والنتيجة وتضمين البرهان أكثر من أسلوب من أساليب البرهنة الصحيحة على صحة النتيجة.
لقد تكرر هذا النوع من البراهين في القرآن الكريم قال تعالى:
{قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى أَاللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (62) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [1]
تبدأ الآيات بمقدمة عقائدية لتكون نقطة الانطلاق للجولة التي تسيرها الآيات الأساسية في الكون وفي أغوار النفس وأطواء الغيب ... [2] .
(1) سورة النمل من آية (59 - 64)
(2) سيد قطب. في ظلال القرآن، جـ 5، ص 2454