الصفحة 30 من 38

لم يوضح القرآن كيفية إحياء الموتى وإنما معالجة نفسية هذا الإنسان بالتجربة الشخصية الذاتية المباشرة التي تملأ الحس وتطمئن القلب دون كلام من أجل الوصول إلى نتيجة وهي (أن الله على كل شيء قدير) وهذه النتيجة بدًا لها بمقدمات وكانت العلاقة بين النتيجة والمقدمات علاقة محسوسة مباشرة ذاتية تخطت العلاقات العادية الميكانيكية في تفسير الحياة وكان البرهان خارقة أضيفت إلى الخوارق الأخرى المشابهة كالحياة الأولى.

ومن مظاهر الإعجاز في برهان الآيات أنه لم يعتمد على مسلمات احتمالية ولا حتى مسلمات نظرية مرئية أو محسوسة وإنما تجربة ذاتية. وهو أسلوب برهاني يوصل إلى التسليم بالنتيجة وتعديل للاعتقاد وتربية للنفس وتصفية للسرائر من أية شائبة وهنا يظهر ضعف البراهين الرياضية أمام هذا الأسلوب اليقيني.

هذا النوع من الأساليب لا يهدف فقط للإقناع والتصديق والإيمان وكفى بل يظل يؤثر في النفي حتى تغير معتقداتها وتعلن صراحة عن حدوث هذا التغير فعلًا. قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} [1]

تبين الآيات السابقة شرف آدم على الملائكة بما اختصه من علم أسماء كل شيء [2] لقد قام البرهان على تكريم آدم على غيره من المخلوقات الأرضية وعلى الملائكة أيضًا بمقدمات واضحة فالإنسان قادر على التعلم وإنتاج ليس الأسماء للأشياء بل انتاج الأشياء نفسها من مخترعات ومكتشفات، وقد بينت نتيجة البرهان بما ساقته الآيات من الاستدلالات التي جعلت الملائكة لا تصدق فقط بل تؤمن بقدرة الإنسان على التعلم والسيطرة على مدار الأرض وتسخيرها لخدمته بإذن الله.

فالعلاقة بين قدرة الإنسان على خلافه الله في الأرض وقدرته على تعلم أسماء الأشياء علاقة ضرورية وأساسية.

ومن مظاهر الإعجاز في هذا الأسلوب أن الرياضيات لم تستطع حتى الآن (وهي العلم البرهاني) من الوصول بالبرهان لدرجة تغيير معتقدات الإنسان بل توقفت عند حد الإقناع فقط.

(1) البقرة 30 - 33

(2) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، جـ 1 ص 72

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت