الصفحة 9 من 38

لقد تم إثبات هذه الصفات لله وحده دون غيره وذلك بالدليل الحقيقي القطعي، حيث لا أحد يستطيع إنكار ذلك (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) ومن ينكر ذلك فهو لا يعلم الحق والصواب فهو بالتالي على باطل. فالنتيجة من هذا البرهان هي (أنه لا إله إلا أنا فأعبدون) .

والعلاقة بين المقدمات والنتيجة هي علاقة صحيحة فالصفات المذكورة في المقدمة لا يمكن ان تكون لأحد سوى سبحانه وتعالى وهذا ما أكدت عليه الرسالات السماوية قبل رسالة الإسلام وأكدت عليه الملاحظة الواقعية المباشرة في حياة البشر ويتضح في العلاقة بين المقدمات والنتيجة الجانب السيكولوجي من حيث علاقة الإنسان المفكر العارف للحق بالمقومات المذكورة في الآيات وهي علاقة قوية جدًا مرتبطة بخلق الإنسان وحياته وموته وكل ما يرتبط مباشرة بحياته، وهذه العلاقة السيكولوجية هي التي تجعل الإنسان المفكر الواعي يستدل من المقدمات على النتيجة المطلوبة [1] وهذه العلاقة أيضًا تبين لدى المفكر مدى قوة ارتباط القضايا الواردة في البرهان.

ويمكن اعتبار البرهان في هذه الآيات برهانًا تفنيديًا وذلك لأنه فنَّد الصفات التي ... لا تجب إلا لله وحده ولا أحد من الإلهة التي اتخذها المشركون يمكن أن يتصف بأي من هذه الصفات. ومن المعروف أن البرهان التفنيدي يتخذ أسلوب استنفاذ جميع الحالات وحذفها واحدة واحدة، وما نراه في البرهان القرآني الحالي في هذه الآيات أنه استنفذ حالات معينة وأثبتها جميعها لله ويفهم ضمنيًا أن هذه الحالات (الصفات) نفيت عن الآلهة الأخرى.

ومن الأساليب التي تضمنها هذا البرهان في الآيات الكريمة أسلوب التناقض (Contradiction) المعتمد على قانون الرفع المنطقي في علم المنطق (Modus Tollens) ويمكن تقدير هذا الأسلوب على أنه إذا كانت هذه آلهة فهي تخلق وحيث أنها لا تخلق فهي ليست آلهة (ق ... ك) ... (نفي ك ... نفي ق) لو كان فيها آلهة إلا الله لفسدتا وحيث أن الفساد منفي عن الكون كما هو ظاهر وواضح إذا لا يوجد فيها آلهة إلا الله سبحانه وتعالى.

لا يسئل عما يفعل وهم يسألون أي لا حاكميه إلا لله لو كان لهم الحاكمية لكانوا آلهة وقد نفيت عنهم بالملاحظة المباشرة يلاحظها كل إنسان يعرف هذه الآلهة.

وهناك أساليب برهان أخرى في الآيات، مثل البرهان بالملاحظة المباشرة (البصري) بالاعتماد على استقراء جميع الحالات للأنبياء والرسالات السابقة إذ أن جميعها أكدت على وحدانية الله تعالى فهذا استقراء رياضي تام وليس استقراء منطقي ناقص أو استقراء علمي غير تام.

(1) تفسير ابن كثير، جـ 3، ص 180

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت