أقوال الفقهاء وينصون عليه كما جاء «والواجب أن يبدأ من ارتفاع الوقف بعمارته سواء شرط الواقف ذلك أو لم يشترط، لأن الغرض لكل واقف وصول الثواب مؤبدًا وذلك بصرف الغلة مؤبدًا ولا يمكن ذلك بلا عمارة» [1] .
بل إن الأمر يصل في هذا المجال ليس فقط بالانتظار حتى يخرب الوقف أو يهلك ويتم تجديده بل يلزم أن يدخر كل سنة جزءًا من الغلة لمواجهة ما قد يحدث من خراب للوقف في المستقبل، وهو ما يعرف في الفكر والتطبيق المحاسبي «بمخصص أو احتياطي الإحلال والتجديد» بمعني رسمله جزء من الغلة أو الإيراد، وهذا ما ورد في أقوال عديدة منها «ولو شرط الواقف تقديم العمارة ثم الفاضل للفقراء والمستحقين لزم الناظر إمساك قدر العمارة كل سنة وإن لم يحتجه الآن لجواز أن يحدث حدث ولا غلة» [2] .
وفي ضوء هذه الأساسيات يمكن النظر في مسألتي وقف الغلة واستثماراتها على الوجه التالي:
مما سبق ذكره يتضح أن الأصل هو صرف الغلة إلى مستحقيها وعدم وقفها أو بلغة المحاسبة عدم رسملة الغلة، ومع ذلك توجد حالات استثنائية يجوز فيها رسملة الغلة بمعنى وقفها وذلك ما يمكن توضيحه في الآتى:
أ) المبالغ المخصصة من الغلة لعمارة الوقف حسبما تم بيانه في الفقرة السابقة، فهذه المبالغ تصرف على تجديد الوقف بمعنى إعادته إلى الحالة التى كان عليها وفسر ذلك فقهًا بما يدل على المعنى المحاسبى وهو التجديد للأصول التى ضعفت قدرتها الإنتاجية فيقول ابن عابدين «العمارة .. ما يعمر به المكان بأن يصرف إلى الوقف حتى يبقى على ما كان عليه - ومثَّل ذلك بقوله - فإن كان الوقف شجرًا يخاف هلاكه كان له أن يشترى من غلته قصيلًا فيعززه لأن الشجر يفسد على امتداد الزمان، وكذا إن كانت الأرض سبخه لا ينبت فيها شئ له أن يصلحها .. ويضيف في موقع آخر - وإن خرب أى البناء يبنى» بل إن الرافعى في تقريره على الحاشية يقول «والأولى أن يراد
(1) شرح فتح القدير لابن الهمام 5/ 434
(2) شرح المختار للحصفكى - 2/ 7، والعقود الدرية لابن عابدين - 1/ 229.